بث التلفزيون المصري المقابلة التي اجرتها المحاورة الذكية الاستاذة ليلى رستم مع عميد الادب العربي الدكتور طه حسين مرات عديدة. وكان شارك نخبة من ادباء مصر ومفكريها في توجيه الاسئلة الى الدكتور طه حسين, بحيث يمكن القول ان هذه المقابلة كانت وثيقة تاريخية اظهرتنا على مجمل الاشكاليات التي كانت تشغل اذهان اهل الادب والفكر في منعطف بالغ الاهمية في مسيرة أمة العرب في الازمنة الحديثة.
وكان ما قاله طه حسين في هذا اللقاء ان على الادباء ان يعتمدوا اللغة الفصحى فيما يكتبون وان يتجنبوا العامية, ذلك ان العربية الفصيحة عامل وحدة بين الاقطار العربية (وذلك ما يراه عميد الادب العربي هدفاً معتبراً) وان اعتماد العاميات المحلية يباعد بين العرب, ويجعل اداب اقطارهم محدودة الاثر في بيئات لهجاتها.
وكان مما انطبع في الاذهان من هذا اللقاء أن طه حسين كان اكثر ظهوراً على الفكر والادب الغربيين من محاوريه وانهم وإن كانوا أحدث سنّاً أو جيلاً تالياً لجيله, إلا أن قصب السبق في الحوار كان له لا لهم, على الرغم من انهم كانوا هم النخبة المصطفاة الذين اختارتهم المذيعة الذكية لمشاركتها في المقابلة.
وإن ما قدمه التلفزيون المصري مقابلات على نفس الدرجة من الاهمية مع توفيق الحكيم وعباس محمود العقاد ونجيب محفوظ وعبدالرحمن الرافعي وكثير من أعلام الفكر والادب غيرهم.
هذه المقابلات/ الوثائق ينبغي ان تحفظ–مع غيرها من مثيلاتها في التلفزيونات العربية–في ارشيف خاص. وأن يوزع هذا الارشيف على كليات الاداب في الجامعات العربية, وان يفيد منها الاجيال الجديدة من الدارسين في هذه الجامعات.
ونحن هنا, في الاردن, ما نزال نذكر مقابلات ثقافية وندوات فكرية شارك فيها أعلام معروفون وتم بثها على مدار ما يقارب نصف قرن من الزمان. فهل نأمل أن يكون التلفزيون الاردني قد احتفظ بهذه (الوثائق) التي تعتبر كنزاً لا ينبغي التفريط به بحال, أم أن النسيان قد سحب أذياله عليها فذهبت ادراج الرياح؟
لا ريب أن للارشيف الثقافي أهمية لا تقل أهمية الارشيف السياسي, وأن لرجل الفكر والادب دوراً في البنيان الوطني مساوياً لدور السياسي إن لم يكن أكبر وأكثر اهمية.
وإن مما نجزم به أن ثمة برامج ثقافية تلفزيونية واذاعية تم التحضير لها بقدر عال من المسؤولية, وذلك قبل أن يستشري الفساد في حياتنا الأدبية ويختلط الحابل بالنابل وقبل ان يصيب الوهن النقد وموازين التقييم, وقبل أن تسود اللهوجة الصحفية وألوان الترويج والمجاملات. هذه البرامج ينبغي اعادة بثها مع تقديم مناسب وتعقيب متدبر. لكن واقع الحال في اذاعاتنا الكثيرة وتلفزيوناتنا لا يوحي بأن ثمة اتجاهاً لتحقيق مثل هذه الامنية.
على أننا لا نعدم من يؤرّقه أمر برامج الثقافة (ذات العمق والمستوى) كما يؤرقنا. ولا نعدم من يرى أن لأبناء الاردن حاضراً ثقافياً ينتظر إعلاماً مكافئاً, ومن يرى أن للفكر والادب دوراً في حياة الوطن لا يقل عن دور المشتغلين بالسياسة إن لم يفقه بكثير وكثير.
التلفزيون وأرشيف الثقافة الوطني
12:00 2-1-2017
آخر تعديل :
الاثنين