ونحن نذرع العديد من القصص والروايات العربية لأدباء عرب معاصرين تلقانا شخصية «المختار» كما التسمية في بلاد الشام او «العُمدة» كما في مصر. وهي شخصية حاضرة في مملكة ورحاب السلطة، غالباً ما تأتمر بأوامرها وتبرر خطاياها ان كانت سلطة قهرية.
وانا هنا لن اقوم بتقييم فني لهذه الاعمال الابداعية، فذلك مجاله «الثقافة» ولكنني سأعرض لنماذج يبدو فيها «المختار» او «العمدة» العرب منخرطاً في ركاب السلطة إلا من عصم ربك!
سأعتمد هنا على دراسة رصينة هي رسالة دكتوراه لِ»سائدة خليل عبده» بعنوان «التوجهات الاجتماعية والسياسية في ثلاث روايات فلسطينية» حصلت بموجبها على درجة الدكتوراه من جامعة القديس يوسف ببيروت. «المختار» او «العمدة» يبدو لنا في هذه الروايات وغيرها مُنفذاً لأوامر السلطة في الغالب غير منغمس في هموم الجماهير. ومع الاسف وكما لاحظت صاحبة الرسالة فإن «المختار» او «العمدة» «يستمدان نفوذهما وهيبتهما من انتسابهما إلى العصب الأقوى داخل العشيرة». وهذا يعني «نمطية» تقليدية دأبت على اتباعها المجتمعات العربية بمباركة من السلطة، بمعنى ان كلا الشخصيتين ليسا بالضرورة يمتلكان الحس الوطني القادر ان يقول للسلطة ان ظلمت: اوقفي الظلم!
تُحيلنا سائدة الى عدة اعمال روائية يظهر فيها المختار والعمدة شخصيتين متجبرتين تفرضان الهيمنة على الجماهير. من هذه الاعمال رواية الكاتب الفلسطيني «رشاد ابو شاور» «ايام الحب والموت». مختار يفرض سلطته على قرى منطقة «الخليل» المحتلة لأنه ينتمي الى عشيرة ذات نفوذ كانت موالية للاحتلال البريطاني ومن بعده للصهيوني!
قلت سابقاً قلة من المخاتير ترفض قهر السلطة وفي حال عدم قدرتها على خدمة الجماهير تفضل «الاستقالة» اما الآخرون فيسيرون في ركابها؟
تقول الدكتورة سائدة في تعليقها على هذه الظاهرة الشاذة التي عبّر عنها العديد من المبدعين العرب في اعمالهم الابداعية المنشورة معتمدة على رأي عدد من النقاد: «وبذلك فقد حظيت شخصية «المختار» بمكانة بارزة وبدت قوة كابحة ومعوقة للمجتمعات لانشغالها بمصالحها، ولتعاونها وتواطؤها مع القوى المستنزفة لجهود الفلاحين وبُسطاء الناس «فقد كوّن المخاتير ورجال الدين قمة الهرم داخل قوى تواضع الناس على مكانتها ومنحوها بأنفسهم صلاحية صنع القرار»». نقلاً عن نضال صالح نشيد الزيتون ص 103.
على ان صاحبة الرسالة تبرز وجهاً مشرقاً ايضاً لبعض المخاتير الذين حين يعجزون عن اقناع السلطة برأيهم يلجأون للاستقالة. لكن الغالب على هذه الاعمال الابداعية وبخاصة بعد نكبة فلسطين الاولى 1948 هو الصورة النمطية «لمختار» متعاون مع السلطة الى ابعد الحدود لا لمختار صاحب ضمير!
لقد عَرّى بعض المبدعين العرب صورة «المختار» او «العمدة» المتحالف مع السلطة القهرية مظهرين ضعفه وتخاذله وحبه للظهور فقط خادماً لها. «فالمختار» عند المبدع الفلسطيني الراحل غسان كنفاني شخصية ضعيفة هشة لا تستطيع التمرد على اولياء نعمتها! ومن خلال الراوي في روايته «أم سعد» الذي ينتمي الى مرجعية معرفية تشاطره اياها مرجعية «ام سعد» التي اعتقل ابنها، يتطوع المختار لإخراجه من المعتقل لكن هذه الام لا تثق به لانها تعرف سلفاً انه سيساوم ابنها ورفاقه مساومة رخيصة حتى يفرج عنهم! وهذا ما حصل اذ طلب اليهم التوقيع على تعهد بالا يكونوا فدائيين وان يلزموا بيوتهم! وحين رفضوا وطردوه غضب غضباً شديداً ونقل الحادثة الى ام سعد التي سخرت منه لانه في رأيها طلب «مستحيلاً»!
سائدة خليل عبده وهي تتناول هذا العمل الابداعي لغسان كنفاني ارادت ان تؤكد «رفض الاجيال الجديدة للقيادات العاجزة التي قادت الشعب الفلسطيني الى الهزيمة واستسلمت للواقع». الرسال ص 378.
وقد لاحظت الكاتبة ان هذه الصورة لِ»المختار» تبدو في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين اكثر من غيرها. اما المفارقة فتمثلها المرأة الفلسطينية بصمودها وصلابتها حين ترفض اية مساومة يقدمها «المختار» لها للنيل من كبرياء ابنها ووطنيته. وهي صلابة تلقانا كثيراً هذه الايام، حيث لا تنازل او مساومة!
وبعد ان هذه الصورة التقليدية لِ»المختار» او «العمدة» آن لها ان تتغير في ضوء حداثة العصر. لا يجوز ان تبقى القبلية او العشائرية حاضرة بقوة في اختيار المختار او العمدة دون ان تحسن عملية الاختيار!
ومن واقع مشاهداتي وخبرتي في الحياة اقول ان كثيراً من «المخاتير» ابرزتهم السلطات الحاكمة بمعنى انهم سيكونون الذراع المنفذ لمشيئتها. وهنا تكمن المأساة! هل سيكون المختار عندها حُراً في اتخاذ مواقف انسانية مُنصفة للمظلومين من الناس الذين ينوب عن تمثيلهم لدى السلطة! اشك في ذلك. طاعة السلطة في رأيه واجبة! «الوجاهة» التي تصنع المخاتير ينبغى ان تتوارى.
صورة المختار التقليدي الذي يعجز ان يقول «لا» لأية سلطة حاكمة ينبغى ان تزول. وحتى تزول يجب ان تنتهي «ثقافة الخوف» التي تسود مجتمعاتنا العربية. وحتى يتم ذلك لا بد من خلق اجواء الديمقراطية فيها، دون ذلك سيبقى الحال على ما هو!
والله من وراء القصد!