كتاب

سُمُوٌّ.. وانحطاط

يتوافق عدد من نابهة النقاد والمفكرين (اندريه جيد ونيقولاي برديائيف من الغربيين، والرافعي والعقاد وطه حسين من العرب)، على ما يذهب اليه صاحب «وحي القلم» من انه لا ينبغي ان يتناول الادب القصصي او الروائي «غير الافذاذ من فلاسفة الفكر الذين تنصبهم مواهبهم لالقاء الكلمة الحاسمة في ما يثير الحياة او تثيره الحياة في النفس الانسانية، وغير الأعلام من فلاسفة البيان الذي رُزِقوا من ادبهم قوة الترجمة عما بين هذه النفس والحياة وما بين الحياة وآثارها النفسية في هؤلاء».

واما من عدا هؤلاء الافذاذ «الذين يترجمون عن الحياة اجمل شعرها واسمى حكمتها» ممن يحترفون كتابة القصص؛ فهم في الادب رعاع وهمج كان من اثر قصصهم ما يتخبط فيه العالم اليوم من فوضى الغرائز.. هذه الفوضى الممقوتة التي تتسكع فيها النفس مشرّدة في طرق رذائلها».

ويرى صاحب «وحي القلم» ان فارق ما بين كبار الروائيين الذين يحققون معاني السمو الادبي فيما يكتبون وبين من يسميهم الهمج والرعاع انك اذا قرأت للفريق الاول ادركت في نفسك اشياء بدأت تعلو ورؤى بدأت تتراحب، واذا قرأت للفريق الثاني احسست في نفسك اشياء بدأت تسفل».

وبهذا الميزان يتم التفريق بين «فن القصة» في صورته المثلى التي يحققها الكبار من المبدعين، وبين «التلفيق القصصي» الذي يتولى كِبره صغارهم.

ان «الفن القصصي» الراقي انما يخاطب العقول والاذواق والضمائر، على حين يطلب «التلفيق القصصي» الرواج في الغرائز البهيمية ولا تراه بمعنى بغير «نهمات الاجساد ومطالب الحواس» وذلكم هو معنى «العلو» في الاول ومعنى «التسفل» في الثاني على حد قول اديب العربية الكبير.

ان ثمة مسافة ممتدة بين رواية تخاطب العقول في قارئها وتنتهي به الى الذهول وبين رواية تخاطب عقله وذوقه الجمالي وضميره الاخلاقي وتفضي به الى يقظة الوعي المنتبه الى حقائق الوجود.

انها مسافة ظاهرة للعيان او مفارقة غير خافية لذي بصر. ولكن فساد حياتنا الادبية، وغياب النقد المسؤول، واضطراب العقول والاخلاق، كل اولئك يحول دون التمييز الذي لا بد به بين مستوى ومستوى، وبين خليقة وخليقة، وبين «فن» و»تلفيق» وبين ادب حقيقي وآخر زائف يملأ الاسواق.