قراءة في «الأعمال الفكرية» للحسن بن طلال

تاريخ النشر : السبت 12:00 24-12-2016
531
يوسف عبدالله محمود

«التضامن الإنساني يتطلب التقاء شتى الثقافات في نطاق الحضارة الإنسانية». الحسن بن طلال

إذا كانت الثقافة هي حصيلة المعرفة- وهي فعلاً كذلك، فإن الأمير الحسن بن طلال قد امتلك منها النصيب الأوفر فبات بحق علماً من أعلام هذه الثقافة البارزين يوظفها في «خدمة قضايا الحرية والسلم العالمي».

شاهدا على عصره كان وما زال. يؤرقه ما تعانيه البشرية من آلام. أتاحت له ظروف حياته أن يلمّ بقضايا العالم، فراح سموه يبحث عن حلول شافية لها، إيماناً منه بسموّ الرسالة الإنسانية المقدسة التي حملها آباؤه وأجداده الهاشميون وهم يناضلون من أجل سعادة البشرية ميزة حَمَلة هذه الرسالة ما يتمتعون به من خلق راقٍ جعل «التسامح» خيارَهم المفضّل «والأريحية» خصلتهم التي لا تفارقهم، والإيثار جِبلّتهم، عُرِفوا بها، وعُرِفَت بهم.

على هذا الدرب سار ويسير سموّه. في أعماله الفكرية – المجلد الأول- التي شَرُفت بقراءَتها، يطالعنا نُبل هذا الأمير. حسّه الإنساني.

سعة أفقه. غيرته على مستقبل البشرية الذي تتحصّده الحروب، حيث لا احترام لقانون دولي في حَلّ القضايا الإنسانية الملحة. وما تشهده اليوم خير دليل.

«هناك تناقضات موروثة في النظام العالمي الذي بدأ في الظهور لا نزال في حاجة إلى التغلب عليها.

هاكم مثلاً واحداً فقط: في الوقت نفسه تجري من ناحية تطورات ملحوظة نحو تجانس كبير في أقاليم العالم، ومن ناحية أخرى يتصاعد مَدٌّ معاكس للشعور العرقي لدى المجتمعات الصغيرة، يتجلى في اعتزازها بلغاتها وثقافاتها وهوياتها، فتبدو المفارقة وكأننا نسير نحو أُطرٍ مرجعية عريضة وأخرى ضيقة في الوقت نفسه». الحسن بن طلال: الأعمال الفكرية – المجلد الأول- ص648-649.

في صدر اهتمامات الحسن بن طلال، تقع «القضية الفلسطينية» وهي بحق قضية العرب المركزية. يستحوذ هذا المجلّد على دراسة قانونية موثقة للقرارات الدولية المتعلقة بمدينة القدس وبالأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، وهي القرارات التي ضرب بها الاحتلال الإسرائيلي الغاشم عرض الحائط مُستخفاً بها اعتماداً منه على ترسانته العسكرية والدعم الاستراتيجي من الولايات المتحدة بصورة خاصة ناهيك عن تشرذم العرب وصراعاتهم الجانبية المثيرة حقاً للرّثاء !

في هذا المجلّد الأول لأعمال الحسن بن طلال الفكرية دعوة حارّة موجهة إلى جميع دول العالم تطالبها باحترام حقوق الإنسان الأساسية، هذه الحقوق التي – مع الأسف- طالها خيرٌ كثير وانتهاك مُرعب يتم على أرض المجتمعات النامية ومنها مجتمعاتنا العربية والإسلامية! تَوْقٌ ما بعد تَوق، يتملك سموه نحو «ثقافة عالمية للسلام»، تؤكّد على «الحوار» باعتباره «أداة فاعلة لبناء جسور التعاون بين من يمثلون ثقافات وأدياناً مختلفة» ص599.

في أعماله الفكرية ينتصر الحسن بن طلال لـِ «المجتمع المدني» الذي «يقتضي تفاعلاً اجتماعياً ديمقراطياً، يقع خارج حدود العشيرة، ولكنه لا يبلغ حدود الدولة» ص604.

وفي هذا السياق، يَردُّنا سموه إلى وثيقة تُعرف بـِ «صحيفة المدينة» التي اتفق عليها بين النبي محمد (ص) والقبائل غير المسلمة في المدينة، فقد سمحت هذه الصحيفة لكل فئة أن تحتفظ بقوانينها وعاداتها مانحة أفراد المجتمع حق «المواطنة». ويخلص سموه – وهو محق «أن صحيفة المدنية كانت في أساسها قانوناً مدنياً وبرنامج عمل للتعددية الإسلامية». ص607

وفي هذا ردٌّ مقنع على كل من يفهم «الإسلام» بأنه دين «التعصّب» «والإقصاء» للآخرين من غير المسلمين!.

«لقد حان الوقت لكي تضع مجتمعات الإيمان مخططاً عاماً يعنى بالبعد الإنساني للمعاناة في العالم.. والغاية من هذا المخطط لا تقتصر على العمل على احتواء النزاعات، بل تشمل تداعياتها» ص634.

وفيما يتعلق بـ «الأصولية» تقرأ لسمّوه: «ما كانت الأصولية بَلْسماً شافياً، ولا يزال منها مَرضٌ أصاب البشرية أو المجتمع، لكن الشعور بالإحباط واليأس الناتج عن الفشل المتكرر في حلّ مشكلة ما، هو ما يمدّ هذه الحركة بالطاقة». ص630

وفي موضع آخر يقول سموه :

«وإذ لم يستطع الأصوليون أن يفصلوا السياسة عن الشريعة الدينية التقليدية، فإنهم يريدون أن يجمعوا بين الدين والسياسة، محاولين مُضاهاة مثال هذه الدولة. وخلاصة الأمر يَبْتغون تديين الدولة وتسييس الدين لكي يوقفوا ويلجموا انزياح المجتمع المعاصر نحو العلمانية». ص628

وفي تعليقه على هذا النهج يضيف الحسن بن طلال :

«بيد أن غياب صيغة متماسكة ذات خطوط إرشادية مقبولة عموماً للحكم الإسلامي المستقبلي يجعل من هذا الصِنف من الإسلام الأصولي تهديداً خطيراً لاستقرار الدول الإسلامية وأمنها جميعاً. ويهدف دعاته إلى حشد الرأي العام حول قضيتهم عبر أطياف المجتمعات المسلحة».

وبعد، إن الحسن بن طلال في أعماله الفكرية هذه يخاطب العرب والمسلمين والعالم بأسره بلغة عصرية حداثية تؤمن بالتنوع والتعددية.

يبقى أن أقول إن هذا الأمير يفكر بعمق. يحلل بعمق. يرفض بإصرار «خطاب الكراهية» لأنه ضد شرعية التاريخ.

الحسن بن طلال خصمٌ لمروّجي خطاب الكراهية في العالم – داعية سَلام ومحبة ووئام كان وما زال.

يطالب العرب الارتقاء بخطابهم ليواكب حداثة العصر. وحتى يتم لهم ذلك، عليه تناول قضاياهم القومية بمنطق جدلي آخر يختلف عن منطقهم الجدلي القديم الذي كرَّسَ الصراعات والخلافات فيما بينهم.

الحسن بن طلال – وكما وصفه ذات مرّة الباحث والمفكر د. علي أومليل- «... في فكره يتكامل المثقف والسياسي في التجربة والرؤية».

بدوري أَضيف: في فكره ومضات نور هاديات تنير دروب السلام.؟ تحسم عداوات بين البشر افتعلها عارضو السلام في هذا العالم.

الحسن بن طلال صاحب رسالة إنسانية، مفرداتها مستمدة من تراثٍ هاشميّ مجيد، غايته إسعاد البشرية، ورفع المعاناة عنها.

«علينا أن نضع الإنعاش الإنساني على أعلى سلّم الأولويات في رسم السياسة الوطنية» سمو الحسن بن طلال.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }