كتاب

قلعة الاسلام والعروبة وحصن الشهداء..

صباح الخير يا كرك الشموخ ويا أهل الهية وسند الثورة العربية ، وعزوة صلاح الدين.. صباح الخير ياقلعة مسيجة بدم الشهداء مكللة بالمجد، يا قلعة من حجر وبشر وتاريخ اسلامي وعربي مقدس. صباح الخير للشهداء الذين استدرجونا بفروسيتهم الى القبول بمألوف غيابهم.. لأنهم لا يطلبون اكثر من هذا الشرف ، رغم فجيعة الدم.

سلالة القتل الجماعي من حولنا، العالقون في الماضي، تسللوا الينا بفكرهم وخطابهم وسلاحهم، وأعادونا الى زمن الحروب المقدسة، حيث يصبح العالم بلا خرائط، ودون حدود تحبس الجنون. اعادونا الى زمن غزواتهم، ولكن بلا عسكر، لأنهم صنعوا لنا القاتل من لحمنا ودمنا، من خلال استحضار التاريخ وتوظيف المقدس وتحريك الغرائز، واستفزاز المشاعر عند محترفي الاغتيال والتخريب والممنهج والقتل الجماعي العشوائي، في عمليات رعب عارية من القيم الانسانية والأخلاقية.

قبل أيام قليلة ماضية مكللة بالحزن، اعادوا قلعة الكرك الى دائرة الضوء والاهتمام، وأدخلوها في لعبة السلاح وكرة النار التي تتدحرج في المنطقة بهدف رسم حدود مشروع مشبوه. في تلك اللحظة لم يكن في حصن الكرك « ارناط الصليبي» الآتي من بيت المقدس المحتل، ولم نكن نسمع صهيل خيول فرسان صلاح الدين وصليل سيوفهم تطارد الفرنجة.

وفي تلك اللحظة لم يكن في قلعة الكرك رجال الوالي العثماني، بكل حقدهم وظلمهم باسم الخلافة، ولم نسمع صرخات ابطال الهية، لأن القاتل كان من لحمنا ودمنا، جاء في لحظة غفلة مشبعة بالانحياز الى التطرف وفكره وخطابه السياسي، بعد تعطيل نمو الوعي الوطني والقومي على مدى عقود مضت.

ما حدث في قلعة الكرك، وما سبقها في سلسلة التجربة المرة المفتوحة أمام الجغرافيا الملتهبة من حولنا، وما قد يأتي بعدها، هو أحد اشكال الامتحان القاسي، الذي لا يعالج بنظام الفزعة. صحيح ان قوات الأمن جاهزة على مدار الساعة، وقادرة على التعامل مع هذه الظاهرة المتقطعة، واجتثاثها مهما كان الثمن، وأن الشعب الأردني سخي بولائه وانتمائه ودمه، وان الأردن حصن منيع عصي على الغزاة والارهابيين، ولكن المطلوب هو اكثر من ذلك، فعلى حملة التوعية الوطنية والاجراءات الوقائية أن لا تكون موسمية ثم تتوقف بعد أن يجف دم الشهداء، لأن قوى الشر طورت اساليبها، ونجحت في صنع اعداء العرب من قلب بلاد العرب.

فهذه هي مهمة السلطة والأسرة والمدرسة والجامعة وكل المؤسسات الاجتماعية والأعلامية ومواقع التواصل في المملكة. فالحرب على الارهاب ليست عسكرية أمنية فحسب، بل هي أِشمل واكبر، فالمواجهة يجب ان تكون فكرية اعلامية سياسية اقتصادية اجتماعية تربوية أيضا، أقول ذلك لأن هناك مجموعات انخرطت في البكاء والعويل لاستدرار العطف على حلب، وهم بوعي أو بدون وعي، مع احترامي لمشاعرهم، يستجيبون لحملة اعلامية غربية مضللة، هدفها اثارة المشاعر الانسانية، لعرقلة خروج المسلحين المتطرفين من المدينة النازفة وحمايتهم، بهدف تمرير مشروع التفكيك والتقسيم في سوريا، تحت غطاء اكبر هجمة سياسية عسكرية فكرية مدعومة بقوة السلاح والثروة.

وما بين قلعة حلب وقلعة الكرك، مرورا بقلعة تدمر، هناك تطورات عسكرية وسياسية تدعونا لليقظة والحذر، لأن كرة النار تكبر وتكبر، بحيث تخطت العمليات الارهابية حدودها الاقليمية الى الساحة الدولية، في عالم اصيب بالجنون، اختلفت فيه اساليب القتل الجماعي وتعددت أشكاله. هذه التطورات تدعونا الى اتخاذ المزيد من الأجراءات الوقائية، لأن الارهاب بلا دين ولا هوية، وأصبح ظاهرة عابرة لكل الحدود، بحيث لم يعد داعش مجرد تنظيم بل تحول الى تيار أممي في عالم تتغير فيه التحالفات والمصالح كل يوم، وعلينا المحافظة على مصالح الأردن العليا دون مجاملة او تردد... وحمى الله الأردن، وللشهداء المجد والرحمة.