كتاب

رجوع

تموت دواعي الفضول لديك ويتساوى ان تعلم ما هنالك أو أن تجهله. وتنشغل بالهوى الذي يجذبك اليه عن كل افق وتنحجب بغياباته عن كل سماء, ويزوغ منك البصر حتى اذا استقر لحظة انعكس الى أعماقك الممتدة الى صباك البعيد, وانثالت عليك صور واشباح وذكريات, وتناهت الى حسّك الخامد طيوف مرارات ولذاذات لم تلبث ان تنسرب الى حيث لا تقوى ان تتساءل كيف جاءتك أو كيف توارت بالحجاب.

ذاهل عن كل شيء لا تستقر عيناك الغائمتان على شيء. وتنفذا وراء كل شيء. ويطوّح «لا وعيك» في الآماد المتطاولة ما قبل وجودك وما بعده, كأنك باب مشرع ما بين الأزل والأبد, يطويك غسق وينشرك شرق, وأنت ما تزال تموج بك السحائب, لا أنت حاضر, ولا انت غائب.

يتكاثرون على حدود المسافة الكونية بينك وبينهم, ويخوضون فيما يخوضون من أحاديث تصلك أطراف باهتة منها, ثم يتركونك في ركنك القصي من الدنيا وحيداً, مؤتنساً مستوحشاً في آن, قد اسلمك الخوف الى الرجاء, واسلمك الرجاء الى الدعاء, وما ثم مجيب الا ربك الرحمان.

ثم ما هي إلا أن ينكشف عنك غطاؤك, فاذا بصرك حديد, واذا أنت في جموع تموج في أوهاقها, وفي موقف متطاول حقبا يشتد فيه رهق المزدحمين, وتأخذهم التساؤلات عما يفعل بهم, وتشيب منهم النواصي وترتجف القلوب..

وتستذكر فيما تستذكر من دنياك الغاربة «كتاب التوهم» للحارث المحاسبي. وتقول في نفسك إن هذا الموقف العظيم الى انتهاء مهما تطاولت آناته. وإنك لا بد خارج منه الى مقام معلوم يعصف بك الامل أن يكون مقاماً محموداً, على نحو ما كان من وقائع «كتاب التوهم» حين زحزح بصاحبه عن النار وازدلف به الى حوض تطهّر به من أوصابها وعذاباتها ومكابداته فيها, ثم ادخل الجنة ففاز. بيد أن ذكراك كتاب المحاسبي لا تخرجك, ولا أحداً من الناس مما أنتم فيه, إلا أن تثقل موازينك ويشهد لك كتابك وتدركك رحمة خالقك الرحيم وشفاعة نبيك العظيم.

* * *

على أنك ما تزال في منازل الفراق, قد أوتيت معرفة ولم تدرك يقيناً. وشمت بارقاً ولم تدرك وابلاً. وكل ما توهّمته لا بد واقع ما له من دافع.

«يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضيّة فادخلي في عبادي وادخلي جنّتي».