أبواب

قصة الحجاب في تركيا من البداية إلى النهاية

يرويها كتاب للراحل زياد ابي غنيمة..

الكاتب والمؤرخ والمفكر الاسلامي زياد ابو غنيمة والذي صدرت له سابقاً العديد من المؤلفات الفكرية والسياسية والتاريخية و الاسلامية ، صدر له حديثاً كتاب بعنوان « معركة الحجاب في تركيا « في هذه السنة 2016 ، وذلك بعد رحيله رحمه الله .

والباحث زياد ابو غنيمة المولود في الكرك والذي عاش حياته في اربد ثم عمان ، كان قد درس الكيمياء في تركيا في منتصف ستينات القرن الماضي ، حيث عايش وراقب الحياة الاجتماعية و الفكرية هناك و تطورها .

فلا غرابة ان يكتب عن موضوع غطاء الرأس « الحجاب « للنساء المسلمات

الذي بدأت معركته « الحجاب « بين أخذ و رد في المجتمع التركي منذ زمن قديم !! .

وعند إطلاعنا على هذا الكتاب المزين بالصور الكثيرة وبعدد صفحاته البالغة نحو «70 « صفحة ، أحببنا ان نستعرض البعض القليل مما جاء فيه وعلى لسان الكاتب زياد ابو غنيمة ، حيث يقول :

لقد بدأت الحملة العلمانية الأولى ضد الحجاب بقيادة كمال أتاتورك عندما أصدرت الجمعية الوطنية التركية في أنقرة بإيعاز من أتاتورك في 2/أيلول/ 1925و في سياق تنفيذ مؤامرة طمس الهوية الإسلامية للشعب التركي قانوناً يمنع النساء التركيات من ارتداء الحجاب الإسلامي تحت طائلة العقوبات الشديدة, لتبدأ منذ ذلك اليوم معركة ما فتئت تستعر أحياناً وتخفت أحياناً بين الحجاب وبين العلمانية, وسارعت زوجات وبنات جميع رجالات الدولة في الحكومة والمجلس النيابي والقضاء والجيش والجامعات إلى مجاراة زوجة أتاتورك لطيفة هانم بخلع الحجاب والخروج غير محجبات, وبعد موت أتاتورك تولى قيادة الحملة العلمانية الأولى ساعده الأيمن وخليفته في رئاسة الجمهورية عصمت إينينو الذي بزّ أستاذه في الحرب ضد الحجاب والمحجبات.

وقبل ذلك ... قد يكون مفاجئاً للكثيرين حين يعرفون أن زوجة أتاتورك لطيفة أوساكي زاده كانت محجبة وكان يطلق على الحجاب آنذاك إسم إزار (الشرشف) وهو قريب من الحجاب السائد حالياً, وكانت زوجات وبنات جميع أنصار أتاتورك من قيادات وأعضاء حزب الشعب الجمهوري الذي أسّسه محجبات يرتدين الشرشف, وكان أتاتورك يحرص على ن ترافقه زوجته لطيفة هانم بحجابها وجلبابها في معظم جولاته في أرجاء تركيا بما في ذلك زيارته لمعسكرات الجيش التركي, ولقد أصبح واضحاً للدارسين لأتاتورك أنه كان يفعل ذلك – مثلما كان يخطب الجمعة في بعض المساجد, ويلتقط الصور مع المشايخ, ويكثر من قراءة الفاتحة في المناسبات -, ليظهر أمام الأتراك بمظهر الرجل المتديّن ليطمئن الأتراك إلى أنه لا يعادي الإسلام, وإنما يعادي السلاطين فقط .

ومن المؤسف أن حركات أتاتورك تلك نجحت في صرف نظر الأتراك عن نوايا أتاتورك الحقيقية المعادية للدين, وعلى قاعدة (تمسكن حتى تتمكن) ما إن شعر أتاتورك انه بات يسيطر على الأمور حتى أسفر عن تلك النوايا المعادية للإسلام فأقدم في الثالث من آذار من عام 1924م على إلغاء الخلافة الإسلامية العثمانية وأعلن قيام الجمهورية التركية العلمانية على أنقاضها, ثم فيما بعد أتبع ذلك بقوانين تجبر الرجال على ارتداء البرنيطة (القبعة) الأوربية, وتجبر النساء على خلع الحجاب والجلباب.

بدأ أتاتورك الحملة العلمانية الأولى على الحجاب بنزع زوجته لطيفة هانم لحجابها وخروجها غير محجبة, ولحقت بها نساء وبنات رجالات الحزب والدولة وضباط الجيش, وقاد أتاتورك بنفسه المعركة ضد الحجاب الإسلامي فكان يحرص على التقاط الصور مع النساء غير المحجبات في أية مناسبة, ويتعمد السباحة مع النساء, ويراقص النساء لتشجيع التركيات على خلع الحجاب وعلى الاختلاط, وكان يتنقل بين الجامعات والمدارس ليتأكد بنفسه من خلع المعلمات والطالبات التركيات للحجاب الإسلامي.

ويمكن القول من خلال دراسة موضوعية لمسألة الحجاب الإسلامي في تركيا إن قوانين العلمانية القمعية التي حظرت على المرأة التركية ارتداء الحجاب تحت طائلة العقاب والحرمان من الوظائف, بالإضافة إلى الحملة الإعلامية الضخمة الاستعراضية التي رافقت تنفيذ قانون حظر الحجاب بمشاركة شخصية من أتاتورك نفسه ومن أركان حزبه العلماني نجحت في انحسار الحجاب الإسلامي وخاصة في إسطنبول وأنقرة وإزمير والمدن الكبرى .

وساعد على انحساره ما أصاب الوازع الديني من تراجع في نفوس الأتراك وخاصة النساء بعد إقصاء المظاهر الإسلامية من تركيا من خلال منع الأذان بالعربية وإغلاق الكثير من المساجد ودور القرآن الكريم والمدارس الدينية والتكايا الصوفية .

و كل ذلك سهل على أتاتورك وعلى خليفته عصمت إينينو القضاء على الحجاب الإسلامي في المدن الرئيسية الكبرى في تركيا طوال العقود الأربعة التي تلت صدور قانون حظر الحجاب (1925 – 1965م) حيث انتشرت ظاهرة السفور والتبرّج بين النساء والفتيات التركيات, وصار أمراً عادياً أن تخرج طالبات المدارس والجامعات في المدن الكبرى في المهرجانات والمسيرات خلال عهود حكومات الأحزاب العلمانية يسارية ويمينية بلباس يكشف معظم أجسادهن .

أما في مدن وقرى الأناضول والأرياف فقد كان نجاح أتاتورك وخليفته محدوداً في منع ارتداء الشرشف أو الحجاب فيها لأكثر من سبب, منها أن التقاليد الشعبية المتوارثة في الأناضول تأنف من خروج المرأة غير محجبة, ومنها أن الوازع الديني في نفوس أهالي الأناضول كان لا يزال له تأثير على أهالي الأناضول.

رائدة الحجاب في إسطنبول

ويستذكر المفكر ابو غنيمة قائلاً :

وبعد مغادرتي لإسطنبول في أواخر عام 1965م بعد تخرجي من جامعاتها ، بدأت الأخبار تتواتر عن بدايات متواضعة لإنتشار الحجاب الإسلامي على نطاق ضيق بين بعض الفتيات التركيات, ويسجل للكاتبة التركية « شعله يوكسال شنلر» أنها كانت أول الرائدات البطلات اللواتي خضن معركة العودة للإلتزام بالحجاب الإسلامي كما وصفتها إحدى الصحف الإسلامية التركية.

كانت شعله يوكسال شنلر قد لجأت مع أهلها في سن الطفولة من جزيرة قبرص إلى إسطنبول بعد تزايد اعتداءات القبارصة من أصل يوناني على أتراك قبرص, واضطرت شعله إلى ترك الدراسة والاعتناء بوالدتها التي أصيبت بجلطة دماغية أقعدتها عن الحركة, ولكنها لم تنقطع عن مطالعة الكتب والمجلات والصحف, وبدأت موهبتها في الكتابة تظهر مبكراً, فأخذت تنشر مقالات عامة في بعض الصحف التركية في بدايات عام 1960م, وفي أواخر عام 1965م بدات شعله شنلر تتأثر بأفكار مؤسس الحركة الإسلامية في تركيا ما بعد العلمانية الشيخ بديع الزمان سعيد النورسي مؤسس جماعة طلبة النور (النورسيون), فقد كان شقيقها الأكبر عزيز شنلر من ملازمي الشيخ النورسي قبل وفاته , وكان عزير يزوّد شعله بكتابات الشيخ التي كانت تنشر في سلسلة (رسائل النور), كما كانت تحصل عليها من زميلها في رابطة القوميين نوزت يالشين تاش الذي كان من جماعة طلبة النور (البروفيسور لاحقاً), ولم تلبث شعله أن انعطفت نحو المقالات الإسلامية فاحتضنتها صحيفة الاستقلال الجديد (يني إستكلال) التي كان يصدرها الصحفي الإسلامي محمد شوكت آيغي فأخذت تنشر مقالاتها الإسلامية.

وفي أواخر عام 1965م أخذت شعله قرارها بالتزام الحجاب الإسلامي وقامت بتصميم جلبابها وحجابها بنفسها معتمدة على الخبرة التي كانت قد اكتسبتها من عملها لدى مخيطة نسائية كان يمتلكها خياط أرمني, وبعد أن تحجبت شعله تعمد ناشر صحيفة يني إستكلال الصحفي الإسلامي محمد شوكت آيغي نشر صورة لها بحجابها إلى جانب مقالاتها, واستفز نشر صورة شعله بالحجاب الصحف العلمانية فشنت حملة عنيفة ضد محمد شوكت آيغي وصحيفته واتهموها بتشجيع الرجعية وبتحدي قوانين أتاتورك التي تحظر الحجاب, وبعد الانقلاب العسكري الذي قاده الجنرال جمال غورسيل والذي أطاح بحكومة عدنان مندريس وأعدمه مع وزيرين من وزرائه التحقت شعله بحزب العدالة الذي شكله أنصار مندريس وأصبحت من قيادات جناحه الشبابي, وبعد إغلاق صحيفة يني إستكلال أخذت شعله تنشر مقالاتها في صحف الصباح, والكلمة الحرة (هُر سوز), وفي عام 1967م أصبحت لها زاوية يومية في صحيفة اليوم (بوقون) التي أصدرها محمد شوكت آيغي, وفي عام 1970م بدأت صحيفة اليوم (بوقون) تنشر حلقات رواية كتبتها شعله عنوانها (الشارع الهادئ), وسرعان ما حظيت الرواية بشهرة واسعة, وتحولت الرواية في السبعينيات إلى فلم سينمائي قام ببطولته أشهر ممثلي تلك الفترة الممثل عزت قوناي والممثلة توركان شوراي, وأعيد إنتاج الرواية في أكثر من فلم, وتعتبر رواية (الشارع الهادئ) من أكثر الكتب التركية انتشاراً فقد طبع منها منذ صدورها وحتى عام 2000م ثمانين طبعة, ومازالت طبعاتها تتوالى حتى اليوم.

شعله في سجن العلمانيين

في عام 1971م تولت شعله يوكسال شنلر رئاسة تحرير مجلة (وقت السحر), وبعد وقت قصير حكم عليها بالسجن لمدة ثمانية أشهر بسبب مقال نشرته في المجلة على شكل رسالة مفتوحة لرئيس الجمهورية الجنرال المتقاعد جودت سوناي اعتبرته المحكمة إهانة للرئيس, واحتفظت شعله بحجابها في السجن, وإلى جانب مقالاتها في الصحف أصدرت شعله العديد من الكتب من أشهرها كتاب (كل شيء من أجل الإسلام) وكتاب (الهداية).

لم تكتف شعله يوكسال بكتابة المقالات بل عمدت إلى تنظيم ندوات ودروس خاصة بالفتيات, وسرعان ما تأثصر بها عدد من الفتيات التركيات والتزمن بالحجاب الإسلامي الذي صممته بنفسها وأصبح يعرف باسمها, وكان باكورة توفيق الله عز وجل لشعله التحاق فتاتين تركيتين بها بالتزام الحجاب, ثم أخذ عددهن يتكاثر ليسجلن بدايات مبشرة لانتشار الحجاب الإسلامي في اسطنبول, ويمكن القول إن مجموعة شعله يوكسال شنلر الملتزمة بالحجاب الإسلامي رغم محدودية عددها هي أول مجموعة من الفتيات التركيات المحجبات, وكانت خير النساء غول زوجة رئيس الجمهورية التركية عبد الله غول وأمينة قولباران- أردوغان زوجة رئيس حكومة حزب العدالة والتنمية ورئيس الجمهورية لاحقًا رجب طيب أردوغان كانتا من المتأثرات بشعله يوكسال شنلر, ويقال إنها هي التي كانت واسطة الخير في زواج أردوغان وأمينة, واحتفظت خير النساء وأمينة بعلاقة طيبة مع شعله بعد وصول زوجيهما إلى رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة. وعلى الرغم من تقدمهما في السن فإن شعله يوكسال شنلر لم تتوقف عن العمل الدعوي الإسلامي, وكان آخر إنجازاتها قبل أن تقعدها الشيخوخة والمرض افتتاح بيت للطالبات في منطقة العمراني في اسطنبول وجعلته وقفاً خيرياً لنشر الوعي الديني بين النساء والفتيات التركيات .

ظاهرة الحجاب الإسلامي

بقيت مجموعة شعله يوكسال شنلر التي بدأت في الظهور في السنوات الأخيرة من عقد الستينيات محصورة في نطاق ضيق, ولم تأخذ ظاهرة العودة إلى الحجاب الإسلامي البعد الجماعي إلا في أواخر الستينيات من القرن العشرين المنصرم, وإذا كان من الأمانة أن ينسب الفضل لصاحب الفضل بعد فضل الله عز وجل, فإن من الأمانة الإشارة إلى دور باعث الحركة الإسلامية الحديثة في تركيا البروفيسور المهندس نجم الدين أربكان في نقل ظاهرة عودة الحجاب إلى ظاهرة جماعية حيث شهدت مهرجاناته الانتخابية في مدينة قونية عندما خاض الانتخابات النيابية التي جرت في 12/تشرين الأول/1969م كمرشح مستقل أول ظهور ملفت للنظر للمئات من المحجبات من نساء قونية المدينة المتدينة التي تحتضن مرقد القطب الصوفي مولانا جلال الدين الرومي, وكان للمحجبات دور واضح في فوز البروفيسور أربكان في تلك الانتخابات بما يشبه الإجماع والإكتساح .

بسبب الحجاب !

لم تلبث مشاركة المحجبات بأعداد كبيرة في النشاطات الجماهيرية أن تزايدت بعد تأسيس البروفيسور أربكان مع عدد من المفكرين والناشطين الإسلاميين في عام 1970م حزب النظام الوطني, فقد أصبح العنصر النسائي الملتزم بالحجاب الإسلامي الحاضر الدائم في كل نشاطات ولقاءات الحزب ومهرجاناته, وكان طبيعياً أن يستفز هذا المد المتصاعد لظاهرة انتشار الحجاب الإسلامي في مهرجانات حزب النظام الوطني أعصاب العلمانيين ويغضبهم, فطفقوا يكيدون للحزب, وسارع النائب التركي بتقديم طلب إلى المحكمة الدستورية لحل حزب النظام الوطني بتهم انتهاك الدستور العلماني, والعمل على إلغاء العلمانية, والسعي لإقامة حكومة إسلامية في تركيا, والعمل ضد مبادئ أتاتورك, وفي 20/أيار/1971م أصدرت المحكمة الدستورية قرارها بحل الحزب بعد أن أدانته بمخالفة مبادئ الدولة العلمانية والخروج على قوانين أتاتورك الثورية, ولم تكتف المحكمة الدستورية بحل حزب النظام الوطني ومصادرة أمواله وممتلكاته, بل وحكمت بحرمان مؤسسه البروفيسور أربكان والعديد من قيادات الحزب من العمل السياسي لمدة خمس سنوات.