كتاب

جورة وطيور

لكي تكتشف وجها اخر ، فسيفسائيا حيويا ومحفزا للتأمل ، لمدينتك التي تحبها عمان عليك ان تصحو باكرا صباح اي يوم جمعة وتتجه الى وسط البلد وبالتحديد الى شارع الملك طلال وشارع قريش والأزقة الواصلة بينهما. هنا مع بزوغ فجر كل يوم جمعة يعم الضجيج والحركة حتى وان كانت درجة الحرارة منخفضة جدا والسماء ملبدة بالغيوم.

ثلاثة مواقع تجذب الناس هنا: واحد بشكل يومي وهو سوق الخضار المنظم ، واثنان لا يلتئمان الا مرة في الاسبوع وهما بازار الجورة العشوائي وسوق الطيور وتفصل بينهما خطوات قليلة.

في منطقة الجورة يتجمع عدد كبير جدا من باعة الخرداوات والملابس والأدوات المستعملة جدا كالأجهزة الكهربائية والمنزلية ومواد البناء والأحذية والهواتف الخليوية والمسجلات وكل ما يخطر أو لا يخطر على البال. يعد هؤلاء بالعشرات ومنهم نساء لكن أغلبيتهم من الشبان. أما مرتادو هذا السوق فهم بالمئات من جميع الاعمار. وهذا من منظور اقتصادي يعني تداول كميات كبيرة من الدنانير بين بائع ومشتر ، وحركة تجارية نشطة تستحق الدراسة لأنها تساعد كثيرا من الناس على مواجهة ظروف الحياة الصعبة.

الاعداد الغفيرة لمرتادي هذا السوق وطريقة عرض البضائع المبتكرة فوق كل شبر متاح من الشارع أو الرصيف يسبب ضمن أشياء أخرى اعاقة سير المشاة والسيارات وتعديات على البيئة. لهذا تلجأ الشرطة وأمانة عمان لاجراءات صارمة للحفاظ على التنظيم والبيئة في المنطقة. انه مشهد كر وفر يتكرر كل يوم جمعة ويستحث التساؤل عن الحلول؟

على بعد خطوات من هذا المكان وباتجاه المدرج الروماني وفي شارع خلفي يستند لسفح جبل الجوفة تفتتح كل يوم جمعة ايضا «حديقة حيوانات» تشكل الطيور بكل اصنافها أكثر من 99% من مكوناتها.

عشرات بل مئات من الشباب وأكثر يبيعون ويشترون الطيور كالحمام والعصافير من كل لون وحجم وصنف. ثمن بعضها لندرته قد يتجاوز المائة دينار.على هامش هذا البازار الصاخب الناتج عن نداءات الباعة وأصوات العصافير التي لا نعرف ان كانت تغرد أم تستنجد ونباح الكلاب ، تنشط مهن اخرى مكملة لتربية الطيور كالاقفاص والحبوب وبسطات ساندويشات الكباب والمشروبات الساخنة والباردة وغيرها. ولا يخلو السوق ايضا من متسولين ومن عرض كلاب وقطط وبط ووز وغيرها للبيع. في ساعة الذروة يصبح تجاوز الكتل البشرية في هذا الزقاق أشبه بالسباحة عكس تيار نهر جامح.

لأن هذه الحديقة المؤقتة للحيوانات محددة بيوم الجمعة ومحصورة في شارع ضيق جانبي وتتسبب بمكاره بيئية كثيرة ، فان الشرطة وأمانة عمان يكتفيان بضبط مداخلها ومخارجها ، ولا تتدخلان بنفس الاسلوب الذي تتدخلان فيه في ضبط الامور في منطقة الجورة الواقعة على ثلاثة شوارع رئيسية هي قريش والملك طلال والطلياني.

في عمان تستطيع تلمس بذور مشاريع واعدة مختلفة كسوق الطيور وبازار الجورة الاسبوعيين ، واللذين يمكن ان يتحولا الى نقاط جذب سياحي ومراكز تجارية شعبية نشطة اذا تم تنظيمهما ، مما سيساعد على توفير فرص عمل ومساعدة عدد كبير من ذوي الدخل المحدود.

لماذا لا تبادر الجهات المعنية ، التي تجد نفسها معنية ، ببحث امكانية تجميع هذين السوقين في مكان واحد منظم ، مثلما جمّعت أمانة عمان بنجاح باعة ملابس البالات في السوق الشعبي في أعلى راس العين؟ وكيف يمكن تحويل هاتين التجربتين السلبيتين اللتين تستنفدان الكثير من جهود وطاقة كوادر امانة عمان ورجال الامن الى معالم منظمة تتوفر فيها الشروط المناسبة لتصبح وجهة سياحية جاذبة تفتح صفحة جديدة مشرقة في سفر عمان بدل تراكم تبعات الفوضى والقلق جمعة اثر جمعة؟