للكاتبة المكسيكية «امبارو دابيلا» التي فازت بواحدة من أكثر الجوائز اهمية في بلادها: «جائزة بياروتيا للآداب» لعام 1977. مجموعة قصصية بعنوان «اشجار متحجرة» ترجمها الى العربية الاستاذ محمد ابراهيم مبروك, وأصدرتها المصرية العامة للكتاب ضمن «سلسلة الجوائز» ليظفر القارئ العربي بأنموذج من الكتابة الادبية يمكن للقارئ المتابع أن يرتد به الى آبائه الروحيين بدءاً من «معطف» جوجول ومروراً بالاخوة كارامازوف لدستويفسكي وانتهاء بالاجواء الغرائبية لماركيز..
مجموعة قصصية طريفة تحمل في طياتها شهادة ميلادها وملامح من ميراثها الادبي وهي تنم على اطلاع مستفيض على عيون الادب الغربي في اطار رؤية للحياة والموت والحب في سياق مأساوي جامع.
فاذا نحن توقفنا مثلاً عند قصة «حفل الحديقة» وعند ذلك الرجل النحيل الذي يقتحم القاعة المضاءة الحافلة بحضور متأنق وهو في حالة مزرية اثر فقدانه لـ»ثيلينا» الجميلة التي كانت سكناً لنفسه القلقة, ورأينا الى ما يستذكره من صدق علاقته بها وحميميتها في مقابل شكلانية المواضعات في المجتمع المخملي الذي وجد نفسه فجأة موضع سخرية فيه, ثم تأملنا في رمزية غرقه في بركة مظلمة في جانب من الحديقة الباذخة, حيث لم ينتبه احد الى مصيره الفاجع.
واذا نحن توقفنا عند قصة «فناء مربع» اولى قصص المجموعة, ورأينا الى استيلاء الهاجس المدني على بطلتها, أو بالاحرى الى سيطرة الهوس المعرفي ذي الطابع الوجودي عليها, وكيف أنها ألقت بنفسها في حمام سباحة تتراءى لها فيه مجموعة من الكتب التي تجد في نفسها رغبة خفية لهاماً لكشف اسرارها, وانها كلما أيقنت ان يديها تلامسان تلك الكتب تبيّن لها انها لا تزال اكثر بعداً في القاع.
اذا نحن توقفنا أمام هاتين القصتين دون غيرهما من مجموعة «اشجار متحجرة» لهذه الكاتبة المذهلة, امكن لنا الجزم بتأثرها العميق بكل من غوغول ودستويفسكي وماركيز, مع خصوصية لا يخطئها قارئ المجموعة تتمثل في القلق المعرفي الوجودي البارز في قصة «فناء مربع» بروزه في رواية الالماني «هيرمان هسّة» في «لعبة الكريات الزجاجية» ولا سيما في نهاية شخصيتيهما الرئيستين غرقاً في الماء أو توحّداً معه بما هو اصل الحياة ومآلها الاخير لدى الشعوب «المائية» التي تكتنفها الانهار والبحار والبحيرات فترى في الماء معادلاً للخلود أو اللانهائية.
لقد كانت قراءتي لمجموعة الكاتبة المكسيكية «امبارو داميلا» مبعثاً لتأمل عميق في اسباب توافق المبدعين الكبار من شتى الامم والثقافات على الاهتمام بموضوعات بعينها, كالحياة والحب والموت والمعرفة. كما كانت مؤكدة لما اعتقدته من قبل من أن المبدع الكبير هو قارئ كبير ومتأمل بعيد النظر في واقع الخلق ومصائرهم. وأن لا ابداع حقيقياً بغير معرفة. ولأجل ذلك كله كان احتفائي بهذه الكاتبة المتميزة.
كاتبة مكسيكية متميزة
12:00 15-12-2016
آخر تعديل :
الخميس