ربِّ صلِّ على الذي ليس بالهوى ينطقُ
الرسولُ المـُشفَّعُ والنّبيُّ المصدَّقُ
صاحبُ الحوضِ واللواء يوم في الناس يُخفَقُ
كلُّ القلوبِ تحبُّه ذلك القلب الموفَّقُ
التمهيد:
إنَّ المتأمّلَ في هذه البشريةِ جمعاءَ، وما يعتريها من أحوالٍ بين السعادة والشقاوة، ليقفُ حائرًا أمام الكثير من العطايا التي أكرمَ اللهُ بها البشريّةَ، ولكنْ أن يكون من البشرِ ((رسلًا مبشرين ومنذرين)). فتلك نعمةٌ لا يوازيها نعمة، ذلك لأنّ الأنبياءَ هم الذين بهداهم نهتدي، وبجَمَالِ فعالهم نقتدي، فما بالنا وقد أكرم الله البشريّة قاطبةً، أنْ جعلَ فيها خاتَمَ الأنبياء، وأمينه على وحيه، إنه سيدنا محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب الهاشميّ القرشيّ العربيّ ، وحقَّ للمسلمين عمومًا أن يفخروا باتباع دينه الذي فيه توحيدُ الله بالعبادة، وصرفها لله لا لأحدٍ سواه.
سيّدُ ولد آدم:
على حينِ فترةٍ من الرّسل وفي زمنٍ كان القويّ يأكلُ أخاه الضّعيفَ، شاء اللهُ تعالى، أنْ يرسلَ هاديًا وبشيرًا ونذيرًا ، يرسله سيّدًا للأنبياء من قبله، وهو خاتمهم فلا نبيّ بعده، لتحيا به قلوبٌ ماتت، وتفرح به نفوسٌ حزنت، وينفكّ أَسْرُ البشريّة من قَيدِ العبودية للبشريّة. فتسعدَ الإنسانيّة بسيّدها الذي يهديهم إلى راحة الجسد بطاعة ربّ العباد.
ما قبل مولد النّبيّ صلى الله عليه وسلّم:
توالت الأحداث العظيمة، والآيات الربانية، وكان من أهم الأحداث التي سبقت ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم وبعثته، حادثة تعرضت لها الكعبة المشرفة قص الله نبأها وسجل وقائعها في القرآن الكريم: وذلك أَنّ أبرهة الحبشيّ، رأى العربَ يحجون إلى الكعبة ويعظمونها، فأراد صرفَهم عنها،فبنى كنيسة كبيرة بصنعاء ليحج الناس إليها بدلًا من الكعبة. فلم أبرهة أنْ حلف بأن يذهب إلى مكة ليهدمها، فجهَّز جيشًا كبيرا، وانطلق قاصدًا البيت العتيق يريد هدمه، وكان من جملة دوابهم التي يركبون عليها الفيل، ولا تعرفه العرب بأرضها، فأصاب العرب خوفٌ شديد،ٌ ولم يجد أبرهة في طريقه إلا مقاومة يسيرة من بعض القبائل العربية التي تعظم البيت، أما أهل مكة فقد تحصنوا في الجبال ولم يقاوموه.
الأُسرة القائدة.. والنّبيّ القائد:
يمكننا من خلال متابعة مُجريات هذه الحادثة، أنْ نتعرّف على شخصيّة جدّ الرسول الكريم الذي آنَ أوانُ ميلاده، وما هي الظروف التي عاشتها أسرته، التي كانت بمثابة السلالة العريقة ذات الشّرف المؤثل الذي من خلالها جاء أشرف نسَبٍ تحملُ في سلالتها أشرفَ نبيٍّ، يختار اللهُ تعالى، لنبيّه خير الأزمنة والأمكنة والأشخاص، وهنا:
(وجاء عبد المطلب يطلب إبلًا له أخذها جيش أبرهة، فقال له أبرهة: كنتَ قد أعجبتني حين رأيتُك، ثم قد زهدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في مائتي بعير أخذتها منك، وتترك بيتاً هو دينك ودين آبائك، قد جئتُ لهدمه، لا تكلمني فيه! قال له عبد المطلب: إني أنا رب الإبل، وإن للبيت رباً يحميه، فقال أبرهة: ما كان ليمتنع مني ، قال عبد المطلب: أنت وذاك. وأنشد يقول:
لاهُمَّ–أيْ اللَّهُمّ- إن العبد يمنع رحله فامنع رحالكَ
لا يغلبنَّ صليبهم ومحـالـهم غدواً محــالكَ
إِنْ كنتَ تاركَهمْ وقِبلَتَنا فأَمْرٌ مَــا بَدا لَكَ
وأما قريش ففروا من أرض الحرم إلى رؤوس الجبال، يحتمون بها، ويترقبون ما الذي سيحل بأبرهة وقومه).
حتى قوم نبيّنا صلى الله عليه وسلّم، كانوا يعيشون اليقينَ بدوام ملّة إبراهيمَ عليه السلام، كيف لا وهذه اليهود في جزيرة العربِ، تهدد العربَ!!، بأَنّ نبيًّا قادمًا، وأنّه من يهودٍ ، زعموا!!.
ولم يلبث أنْ انهزم جيشُ أبرهةَ وحبِسَ الفيلُ عن التوجه لهدم البيت، ونجّا الله البيت الحرام، وبعد خمسين يومًا، وُلدَ النّبيّ الأعظم.
مولد النبيّ العربيّ الأمين:
بفضل الله تعالى، أننا ننتمي إلى دينِ محمد صلى الله عليه وسلّم، دينٌ سماويّ سَـمَا بِنَا، وبالبشريّة جمعاء، فمنذ وُلدَ وهو في رعاية اللهِ وأمنه وحفظهِ، فقد اختاره الله لأنْ يكون أمينَ وحي السماء في الأرض، فمن مكة بزغ النّور بمولد سيّد البشريّة، وفي رحابها ترعرع قائدها، وفي جبالها كانت الخلوة للصفاء، وليكون أبعدَ مكانٍ عن عبادة الأصنام التي جاء التوحيد ليهدمها في قلوب أهلها فيهدمونها بأيديهم.
من العربِ كانت سلالة النّسب الشريف، وحول الكعبة كان موقع مولده، ومن هنا بدأت سيرة النّبيّ ومسيرته التي لا تنتهي إلى أبد الآبدين، فاليوم مولده وغدًا بعثته، وتاليًا بناء أمته اتي تقود العالم إلى الهداية ، كلّ ذلك كان، وغدًا دخول الجنان يوم البعث والنشور، وحتمًا ذلك سيكون.
ذكرى مولده.. مدرسةٌ إسلاميّة:
إنّ حبَّ نبيّنا صلى الله عليه وسلّم، أمرٌ منغرسٌ في القلوب المؤمنة لا ينفكّ عنها، وذلك أمرٌ لا يحتاج إلى مزايدة من أحدٍ على أحدٍ، بل يحتاج إلى منافسةٍ بين الحين والآخر ، ثمّ إننا نجدُ جدليّةً في التعبير عن الحبّ للحبيب محمد صلى الله عليه وسلّم، وذلك من الأمور التي تحتاج إلى تبصيرٍ بأننا نحبّ سيرته ، والتعرّف على جوانبها ، والاقتداء بتعاليمه صلوات ربي وسلامه عليه. وليس عجبًا أنْ تتجدد فينا ذِكراه كلّ حينٍ، وأنْ نستلهم من سيرته العطرة ، ما يدفعنا إلى الأمام والودّ والوئام، وتمنعُ سيرتُه الخصام والانفصام، وإنّ الوحيين فينا ما بقينا، يمنعان عنّا الزّيف والتباعد، ويقرباننا على التوحيد، وإنّ من توحيد ربّنا، محبتنا لنبيه صلى الله عليه وسلّم.
الختام: أسأل الله العليّ القدير أنْ نَرِدَ يوم القيامة على حوض نبيّنا صلى الله عليه وسلم، ونشرب من يده الشريفة شربة ماءٍ لا نظمأ بعدها أبدًا. وآخر دعوانا أنْ الحمد لله ربّ العالمين.
ذكرى المولد النبوي الشريف
12:00 12-12-2016
آخر تعديل :
الاثنين