المرءُ ينشأ على ما كان والده إن الجذور عليها تنبتُ الأشجارُ
العين القاضية في محكمة الجنايات الدولية تغريد حكمت، رفعت رأس الأردن عالياً في المحافل الدولية.
قبل أيام وفي لندن تمّ تكريم نساء رائدات في دول العالم أسهمنَ بنصيب وافر في شتّى المجالات الإبداعية والقانونية.
منهنّ كانت العين تغريد حكمت. قامة شامخة في مجال القضاء، وأوّل سيدة عربية يتم اختيارها في محكمة الجنايات الدولية.
أذكر هنا أنني حاورتها قبل مدة حول هموم القضاء ومسؤولياته وحول أسباب العنف المجتمعي وتفشّي ظاهرة «الإرهاب» في العالم وكيفية تجفيف منابعه.
في إجابتها قالت: «في اعتقادي أننا نكافح العنف بتسييد العدالة» وبإرسال دعائم «ثقافة المسؤولية».
وفي اعتقادي أن أبرز الأسباب في استمرارية «العنف» تعود إلى تغييب «الرادع القانوني الصارم» الذي لا يقبل حلولاً وسطاً تأتي على حساب الحق العام من قبل الإدارات.
والمشكلة الآن هي انحسار القيم والروابط والضوابط التقليدية التي كانت تتولى مسؤولية بؤر الاحتقان الكثيرة، إلى مجتمعات تسودها قيم اجتماعية مختلفة تميّزت بنوع من «الازدواجية».
وحين سألتها عن «الحالة الأردنية» أجابت بشفافية :
«صحيح أن المجتمع الأردني موصوف بأنه حداثي من حيث معايير الدولة فيه، ولكن من وجهة أخرى فإن البنى الاجتماعية والنفسية لا زالت مشدودة إلى الماضي وممارساته وحلوله».
تغريد حكمت كانت مصيبة حين عَزت وتيرة العنف التي تضرب العالم اليوم بما فيه عالمنا العربي والإسلامي إلى انعدام «ثقافة المسؤولية»، وإلى تراخي الرادع القانوني، وبخاصة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية وسائر المجتمعات النامية.
غياب «الرادع القانوني – وكما قالت – يزيد من أعمال العنف والإبادة الجماعية في العالم».
وفي حديثنا عن «الإرهاب» وكيفية محاربته قالت العين والقاضية الدولية تغريد حكمت:
«الإرهاب» في هذه الأيام أصبح فكراً «وعلينا أن نحاربه بالفكر لا بالسلاح فقط شريطة توفّر الإرادة».
في حواري معها ظلّت تركّز على ضرورة احترام «العدالة» لدى تطبيق القوانين، فلا ينجو منها صاحب جاهٍ أو نفوذ. ومع الأسف، فالعدالة في عالم اليوم يتم تغييبها واغتيالها في أحيان كثيرة، أما الذين يدفعون الثمن فهم الناس المهمّشون الذي لا يلتفت إليهم!
في مجتمعاتنا العربية والإسلامية أرانا لا نأخذ من «الحداثة» غالباً إلاّ مظاهرها، بينما الغائب هو «الجوهر الإنساني» لهذه الحداثة!
عالمنا بات مسكوناً بالرُّعب أكثر من أي وقت مضى، وبخاصة بعد انتشار أسلحة الدمار الشامل ووصولها إلى «الإرهابيين». «البراءة الإنسانية» باتت تُغتال لأتفه الأسباب. لا ضمان لسلامة هذه البراءَة، وسط حروب عبثية لا غالب فيها ولا مغلوب.
حروب تأتي – مع الأسف – على الأخضر واليابس. مليارات الدولارات تُنفق على هذه الحروب الطائشة، في حين كان بالإمكان إنفاقها على عشرات الملايين من فقراء وجياع العالم!
وفي الختام أقول: تحية للعين والقاضية تغريد حكمت التي في حلّها وترحالها تحمل بين جوانحها صورة الأردن المعطاء.
تغريد حكمت بحق هي «أيقونة» وطن. رسول سلام ومحبّة. ثروتها الحقيقية محبة الناس لها. تتفانى في خدمة «العدالة» ما استطاعت إلى ذلك سبيلا.