كتاب

ماذا يريد ترامب.. ماذا يقول النشيد ؟!

عندما كان الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب يشكل ادارته وحكومته من صقور اليمين المتشدد المحافظ ، كنت أقرأ سيرة الولايات المتحدة الدولة العظمى ، وتاريخ بناء الأمبراطورية الأميركية، الذي كتبه جون ستيل جوردان تحت عنوان « امبراطورية الثروة–التاريخ الملحمي للقوة الاقتصادية الأميركية «.

يقول الكاتب ان الولايات المتحدة في تاريخها الطويل ، كانت بلدا معارضا للهيمنة الأمبريالية (؟!)، وأن الولايات المتحدة امبراطورية سلاحها الثروة، وأن الفضل في فتوحاتها السلمية، التي تحققت دون حروب، وانتشار موجة الديمقراطية الرأسمالية التي « لاقت ترحيبا واسعا من قبل الشعوب «!! لا يعود الى ترسانة الأسلحة التي تملكها أميركا، بل الى رغبة العالم في اكتساب ما تملكه الولايات المتحدة، ومعرفة أساليب خلقه !!.

وحسب الكاتب والكتاب ، فان الولايات المتحدة تشكل ستة في المئة من مساحة اليابسة، ويسكنها ستة بالمئة من سكان العالم ، وتنتج ثلاثين في المئة من الناتج المحلي الاجمالي لدول العالم مجتمعة. وما نشره الكاتب الأميركي أعاد الى الذاكرة حقيقة أن بناء هذه الأمبراطورية تم على أساس استيطاني، وقد حملت هذه البلاد في بداية نشوئها اسم « أرض المستوطنين « على حساب سكان البلاد ألأصليين، ثم اطلقوا عليها لقب « أرض الفرص « لتشجيع الهجرة من اوروبا الى العالم الجديد، حيث ( الأرض الطيبة التي يعمرها الرخاء وتسيل لبنا وعسلا ) حسب قول القس توماس هوكر في ذلك الزمن.

الحقيقة أن التاريخ الملحمي لقيام الأمبراطورية الأميركية على نمط الأمبراطورية الرومانية، يثبت أن الفضل في قيام هذه الدولة العظمى يعود لقوتها الاقتصادية وترسانتها العسكرية، وقدرتها على حماية مصالحها، وليس بسبب فكرها أو حضارتها او ثقافتها، أو نشرها الديمقراطية والحرية وحماية حقوق الأنسان، أو فتوحاتها السلمية !!. واذا كان نابليون قد وصف بريطانيا بانها أمة « أصحاب المتاجر» ، فالولايات المتحدة هي امة الهامبرغر وسراويل الجينز وهوليوود وتجارة الأسلحة، وهي تمثل الحضارة الاستهلاكية التي صدرتها أميركا الى الشعوب الأخرى.

وعندما كان الرئيس المنتخب ترامب يشكل ادارته من المتشددين، كنت أقرأ كلمات النشيد الوطني الأميركي، بعدما استمعت الى كلماته في فيلم اميركي جديد، وهو النشيد الذي كتبه فرانسيس سكوت في العام 1814 بوحي من معركة الدفاع عن « حصن ماك هنري « في بالتيمور، الذي قصفته البحرية البريطانية. ومن يقرأ الكلمات، يكتشف دون عناء كيف يمجد النشيد الحرب ويتحدث بفخر عن وهج الصواريخ وانفجار القنابل ويبجل القوة من اجل ان ترفرف الراية الموشحة بالنجوم المتوهجة فوق « أرض الأحرار وموطن الشجعان « ، وبالتالي أرى ان هذا النشيد يليق بسلطة متشددة تعشق الحروب وتنحاز الى جانب الحل العسكري في كل خياراتها.

لذلك ارى انه من الطبيعي ان يضع العالم يده على قلبه عندما يرى ادارة متشددة بهذا القدر ، تتشكل في البيت الأبيض في زمن متخم بالأزمات ، خصوصا في الشرق الوسط ، حيث تتشابك المشكلات وتتقاطع المصالح الأقليمية والدولية. وقد تكون ايران أول من ادرك، أو توقع، هذا الخطر، لأن لا أحد يتوقع ردود فعل الأدارة الاميركية الجديدة تجاه الكثير من القضايا، وفي مقدمتها الاتفاق النووي مع ايران، والحروب الدائرة في سوريا والعراق واليمن وليبيا. ولكن، في النهاية نرى أنه من السابق لأوانه ان نصدر الأحكام، لأن عالم القطب الواحد ذهب بغير رجعة، والرئيس الجديد ترامب يدرك ذلك جيدا، رغم المجموعة المتشددة التي تحيط به من كل الجهات.