امتازت الأشهر السابقة بطروحات اجتماعية وسياسية كانت محظورة أو هناك ثمة محددات منعت ظهورها العلني، تناقش فكرة سلوك الدولة ضمن معطيات ديمقراطية مستجدة، حتى ذهب البعض بخلط بين المفاهيم كبدائل بدون التمييز لأركان كل منهما، وبالرجوع لأركان المعرفة وموضوع مقالتي، فيهمني التوضيح لمفهوم الدولة المدنية الذي تصدَّر عناوين الصالونات السياسية العربية كواقع جديد بعد إندلاع ثورات الربيع العربي بغطاء استعماري أو انتداب جديد لتتصاعد أتونه بعد شكوك بحدوث قدر من الانتصارات أو التغيير، لتتميز الفترة الجديدة بدرجة من الندم والتمني بالعودة للماضي بعد أن فقدت الشعوب أساسيات الحياة لانعدام الأمان والسلم.
ويُعَرِّف الكثيرون الدولة المدنية بأنها دولة تحقق جملة من المطالب الأساسية المتصلة بحاجة الشعوب إلى التطور والتنمية، بدون تعارض مع المبادىء الدينية التي هي مكان تقدير واحترام وسلوك بما توفره من عدالة وأمان وهي لا تختلف كثيراً عن الدولة الدينية إلا بنزعتها المُعلَنة لإرساء الديمقراطية والمساواة ومواكبة العصر الحديث.
غالبية الدول العربية بمنظومتها المعلنة تشكل أنموذجاً مقبولاً بأداءات متعددة للدولة الدينية التقليدية، حتى أصبح الطموح بالتغير بشكله المعلن لا يختلف كثيرا عن مطالب المحافظة على الحاضر إلا بزاوية ارساء مبادىء تطبيق الديمقراطية والمساواة مواكبة للعصر الحديث، وهو مبدأ محدث للسلوك الواقعي لأسس الحياة الواقعية الأردنية التي يقوم عليها الدستور المطبق منذ تأسيسه، وقد حسم جلالة الملك عبدالله الثاني بورقته النقاشية الأخيرة سلوك الدولة الأردنية مبينا أسس الدولة المدنية في المملكة ، ومؤكدا بحدوث لغط كبير حول مفهوم هذه الدولة، ناتج عن قصور في إدراك مكوناتها وبنائها.
فالدولة المدنية في الورقة الملكية هي «دولة تحتكم إلى الدستور والقوانين التي تطبقها على الجميع دون محاباة؛ وهي دولة المؤسسات التي تعتمد نظاما يفصل بين السلطات ولا يسمح لسلطة أن تتغول على الأخرى، وهي دولة ترتكز على السلام والتسامح والعيش المشترك وتمتاز باحترامها وضمانها للتعددية واحترام الرأي الآخر».
وهي بذلك دولة تحافظ وتحمي أفراد المجتمع بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو الفكرية، دولة تحمي الحقوق وتضمن الحريات حيث يتساوى الجميع، يلجأ لها المواطنون في حال انتهاك حقوقهم، تكفل الحرية الدينية لمواطنيها وتكرس التسامح وخطاب المحبة واحترام الآخر وتحفظ حقوق المرأة كما تحفظ حقوق الأقليات، فبديهيات بناء الدولة المدنية لا تتأسس بخلط الدين بالسياسة، فالدين فى الدولة المدنية عاملا أساسيا فى بناء الأخلاق وخلق الطاقة للعمل والإنجاز والتقدم، فليس صحيحا أن الدولة المدنية تعادي الدين أو ترفضه، لأن الدين جزء لا يتجزأ من منظومة الحياة وهو الباعث على الأخلاق والاستقامة والالتزام، بل إنه عند البعض الباعث على العمل والإنجاز والنجاح فى الحياة، فالدين في الدولة المدنية عامل أساسي في بناء منظومة الأخلاق والقيم المجتمعية، على أن لا يسمح لأحد باستغلاله أو توظيفه لتحقيق مصالح وأهداف سياسية أو خدمة مصالح فئوية، فالأساس لديمومة النجاح يقوم على مبادئ المساواة ورعاية الحقوق، إنطلاقا من قيم أخلاقية فى الحكم والسيادة، ومع نمو تطبيقات الدولة المدنية ذات التحديث المستمر المستمد من التجربة، تبلورت العديد من إسهامات لاحقة ومتعددة من مصادر مختلفة فى العلوم الاجتماعية، نابعة من إجماع الأمة ومن إرادتها المشتركة.
أركان الدولة المدنية تكاملية غير متقاطعة، ركنها الأول بأنها دولة قانون، لأنها اتحاد من أفراد يعيشون فى مجتمع يخضع لنظام من القوانين، مع وجود قضاء يطبق هذه القوانين بإرساء مبادئ العدل بوجود سلطة عليا ـ هي سلطة الدولة ـ يلجأ إليها الأفراد عندما تنتهك حقوقهم أو تهدد بالانتهاك، وهذه السلطة هي التي تطبق القانون وتحفظ الحقوق لكل الأطراف، وتمنع الأطراف من أن يطبقوا أشكال العقاب بأنفسهم، ومن ثم فإنها تجعل من القانون أداة شفافة تقف فوق الأفراد جميعا، مظلة عدالة توفر السلم والأمان للجميع.
الركن الثاني من أركان الدولة المدنية أنها تتأسس على نظام مدني من العلاقات التي تقوم على السلام والتسامح وقبول الآخر والمساواة فى الحقوق والواجبات، والثقة فى عمليات التعاقد والتبادل المختلفة. هذه القيم هي التي تشكل ما يطلق عليه الثقافة المدنية، وهي ثقافة تتأسس على مبدأ الاتفاق؛ أي وجود حد أدنى من القواعد التي تشكل خطوطا حمراء لا يجب تجاوزها، على رأسها احترام القانون (وهو يشكل القواعد المكتوبة) لتأتي بعده قواعد عرفية عديدة غير مكتوبة تشكل بنية الحياة اليومية للناس، تحدد لهم صور التبادل القائم على النظام لا الفوضى، وعلى السلام لا العنف، وعلى العيش المشترك لا العيش الفردي، وعلى القيم الإنسانية العامة لا على القيم الفردية أو النزعات المتطرفة.
الدولة المدنية لا تستقيم الا بركن ثالث وهو المواطنة، ويتعلق هذا الشرط بتعريف الفرد الذي يعيش على أرض هذه الدولة، فهذا الفرد لا يُعرف بمهنته أو بدينه أو بإقليمه أو بماله أو بسلطته، وإنما يُعرف تعريفا قانونيا اجتماعيا بأنه مواطن، أي أنه عضو فى المجتمع له حقوق وعليه واجبات، حيث القانون يؤسس قيمة العدل، وإذا كانت الثقافة المدنية تؤسس فيها قيمة السلام الاجتماعي، فإن المواطنة تؤسس في الدولة المدنية قيمة المساواة.
تمثل الديمقراطية بمفهومها الشامل الركن الرابع من أركان الدولة المدنية لأنها تتيح الفرصة للتنافس الحر الخلاق بين الأفكار السياسية المختلفة، وما ينبثق عنها من برامج وسياسات، وهدفها النهائي بالتنافس لتحقيق المصلحة العليا للمجتمع؛ (إدارة المجتمع والسياسات العامة بأقصى درجات الدقة والإحكام والشفافية والأداء الإداري المتميز النزيه) والحكم النهائي في هذا التنافس هو الشعب الذي يجب أن يشارك فى الانتخابات العامة لاختيار القيادات ونواب الشعب، لا يستند على صفتهم الشخصية وإنما بحكم ما يطرحونه من برامج وسياسات، فالديمقراطية هي الوسيلة التي تلتئم من خلالها الأفكار المختلفة والتوجهات السياسية المختلفة، للارتقاء الدائم بالمجتمع وتحسين ظروف المعيشة فيه، وكذلك الارتقاء بنوعية الثقافة الحاكمة لعلاقات الأفراد وتفاعلاتهم، وبمعنى مختصر إنها الطريق نحو التقدم الدائم.
هذه هي الأركان الأساسية للدولة المدنية فلا يصح أن نأخذ منها ركنا دون آخر، فهي أركان متكاملة متساندة، يدعم بعضها بعضا في منظومة متفاعلة تشكل الأساس لمنظومة الحياة الحديثة التي ننشدها ونحلم بتحقيقها.