أحدثت بؤرة «عمونا» الاستيطانية صراعا إسرائيليا داخليا، وأزمة كادت تؤدي إلى سقوط حكومة اليمين الإسرائيلي، رافقتها ردود فعل إسرائيلية ضد تنفيذ قرار المحكمة العليا بهدمها، وأخرى تؤيد تنفيذ قرار المحكمة العليا القاضي بتحديد تاريخ 25-12-2016 كآخر موعد لهدمها ، وتحتل هذه القضية نقاشا واسع النطاق في وسائل الإعلام الإسرائيلية والكنيست، وداخل الحكومة وبين الأحزاب لمنع هدم هذه البؤرة التي أقامها «فتيان التلال» المتطرفون عام 1995 على أرض تقع شرق رام الله، هذه الأراضي هي ملكية فلسطينية خاصة لقرى سلوان، الطيبة، عين يبرود وقرى أخرى، قامت جمعية حقوقية إسرائيلية تحمل اسم «يش دين» وترجمتها للعربية «يوجد قانون» بتبني القضية والمطالبة بهدم هذه البؤرة الاستيطانية، وإعادة الأراضي لأصحابها، ومع أن القانون الدولي يعتبر جميع المستوطنات المقامة على الأراضي الفلسطينية غير قانونية، وينطبق هذا على جميع الأراضي في الضفة الغربية، إلا أن حكومات إسرائيل المتعاقبة تجاوزت القوانين والشرعية الدولية، وبعد مماطلات كثيرة من قبل المستوطنين الرافضين لإخلائها، أصدرت المحكمة حكمها بإجماع القضاة، بهدم هذه البؤرة بمدة لا تتجاوز 25 من كانون أول القادم.
ومع أن بؤرة «عمونا» تسكنها (30) عائلة استيطانية فقط، إلا أن عقيدة استيطان الضفة الغربية، هي الغالبة لدى اليمين الإسرائيلي بشكل خاص، فقد هدد حزب البيت اليهودي المتطرف، بزعامة «نفتالي بينت»، بإسقاط الحكومة إذا جرى هدم بؤرة «عمونا»، وفي حال خرج هذا الحزب من الائتلاف الحكومي ستتعرض للسقوط، فأخذوا يبحثون عن مخرج، وكان من بين الحلول تشريع قانون يحمل اسم «التسوية»، صادقت عليه اللجنة التشريعية للحكومة، ثم صادقت الكنيست عليه بالقراءة التمهيدية، لكن الموضوع في الأساس لا يتعلق ببؤرة «عمونا» فحسب، بل بمئات البؤر الاستيطانية التي أقيمت على ملكية فلسطينية، فاليمين الإسرائيلي لا يعترف بحقوق الفلسطينيين على أرضهم، بل أنهم يعتبرون الضفة الغربية جزءا من أرض إسرائيل التوراتية، وأنهم يبنون في أرضهم، ويعتبرون أنها أرضهم وليست أرضا محتلة، فالوزير «زئيف الكن» المقرب لـ «نتنياهو» يقول: لقد عدنا إلى أرضنا، ومن حقنا الاستيطان أينما نريد، بل ضم الضفة الغربية إلى السيادة الإسرائيلية، لتحقيق الحلم الصهيوني، باعتبار الضفة امتدادا لإسرائيل، وترى حركة السلام الآن أن ما يجري هو تصريح بسرقة أراضي الفلسطينيين بوضح النهار، وأن قانون التسوية سيزيد من الاستيلاء على أرض الفلسطينيين، ويوفر الغطاء لبناء آلاف الوحدات الاستيطانية.
بؤرة «عمونا»، التي أقيمت من دون قرار من الحكومة الإسرائيلية كغيرها من البؤر الاستيطانية، ويطالبون حالياً بشرعنتها، وهذا اعتراف ببطلانها، كما أن جميع المستوطنات حتى التي أقرتها الحكومة الإسرائيلية، باطلة وغير شرعية وفقاً للقانون الدولي، فمنذ عام (2000) تقدم أصحاب الأراضي من خلال المنظمة الحقوقية الإسرائيلية، بالتماس إلى المحكمة العليا طالبين هدم المباني التي أقيمت على أراضيهم، وإعادة الأرض لأصحابها، وتعهدت الحكومة في عام 2012 بهدمها، لكن المستوطنين ادعوا أنهم اشتروا الأرض، وتبين أن أوراقهم مزيفة، وأصرت المحكمة على هدم المباني لإقامتها على أراض ذات ملكية خاصة، وتقدمت الحكومة من أجل استمرار المماطلة، بطلب إلى المحكمة بإرجاء إخلاء البؤرة وهدمها لسبعة أشهر أخرى، لكن المحكمة رفضت الطلب، وأكدت ضرورة إخلائها مثلما نص عليه القرار في (25) من كانون أول القادم، رغم التهديدات التي يتعرض لها رئيس المحكمة من قبل المستوطنين، وتتعرض رئيسة المحكمة «مريام ناؤور» للتهديدات ووضعت عليها حراسة من قبل الأمن الإسرائيلي، لكنهم استمروا في البحث عن مخرج، فعثروا على قانون غير قانوني تحت اسم «التسوية»، قانون للالتفاف على قرار المحكمة بهدم هذه البؤرة، وأن أهم ما جاء فيه: يفضي إلى مصادرة كل أرض فلسطينية، ولو كانت بملكية خاصة، أقام عليها المستوطنون بؤراً استيطانية، بدعم من الحكومة، وأن تعرض الحكومة على صاحب الأرض تعويضا ماديا هشا، أو أرضا في مكان بعيد بغير إرادته، (لإرغامه على القبول بالتعويض المالي)، وأن الأراضي البديلة هي أراضي فلسطينيين غائبين، ثم يتم تسمية الأراضي المصادرة بأراضي دولة، وبالتالي تنقلها الحكومة إلى شعبة الاستيطان بالوكالة اليهودية، لتقوم الأخيرة بتمليكها للمستوطنين، ويجري الحديث عن آلاف الدونمات التي استولى عليها المستوطنون، بالعربدة وبدعم من الحكومة وبحماية الجيش وقوى الأمن، ومن أهداف قانون «التسوية» العمل على تصفية القضية الفلسطينية، ودفن أي إمكانية لاستقلال الشعب الفلسطيني، وإقامة دولته المستقلة.