كتاب

في بُعْدِ الرؤية ورحابة النظر

لك الله ايها الشيخ الجليل فيما تنتدب اليه العزائم المستبصرة من ضرورة المواجهة الفكرية الحضارية التي تبلغ ان تكون فريضة على هذا الجيل من العرب والمسلمين كما كانت فريضة على أجيالهم المتتابعة من لدن انبعث نور الاسلام في الارض.

لك الله وانت توجه اراداتهم الى مطالب العقل وطرائق الحق الذي من شأنه ان يدمغ الباطل فاذا هو زاهق.

لك الله وانت تدعو الى انشاء مراكز علمية اسلامية متخصصة، تضم رجالا قادرين من اهل الفكر والعلم، للرد العلمي المنظم على الجهلة والغلاة ومضاهئي المستعمرين الغالبين بمنطق العصر وأُسلوبه، ولشرح حقائق الاسلام وبيانها للناس بلسان اقوامهم ولسان عصرهم.

لك الله وانت تدعو الى تهيئة اجيال جديدة من شباب الأُمّة النابهين ليسدّوا الثغرات التي يمكن ان يؤتى وعي الأُمّة منها بصفة ذلك فريضة كفائية يؤدّونها نيابة عن أُمتهم.

لك الله وانت تدعو الى تأسيس معاهد عالية ذات مستوى رفيع، يضم نوابغ الشباب المتفوقين في عقولهم المتميزين في ايمانهم وسلوكهم، لاعدادهم فكريا وعمليا اعدادا يجمع ما في تراثنا من اصالة وما في ثقافة العصر من حداثة.

لك الله وانت تدعو الى تدريس الديانات السماوية والوضعية، وتواريخها، وجذورها، وتطوراتها، وتقارن بين اتجاهاتها وفلسفاتها ومواقفها من الاسلام وموقف الاسلام منها، ونقاط الاتفاق والافتراق بينها وبين الاسلام.

لك الله وانت تدعو الى دراسة العلمانية الليبرالية، واسسها الفلسفية، ونشأتها التاريخية، وآثارها العلمية، والى مواجهة مقولاتها بالنقد العلمي والفلسفي، والى بيان عدم مواءَمتها لواقعنا العربي الاسلامي.

لك الله ايها الشيخ الجليل وانت تدعو الى دراسة الفلسفة الماركسية وأُصولها الوضعية واللاهوتية، والى نقد ماديتها التاريخية وماديتها الجدلية وفلسفتها في الصراع الطبقي وحكم ديكتاتورية البوليتاريا ثم كيفية انهيار دولتها، ثم كيفية اصطفافها قوة غاشمة في المعسكر الاستعماري.

لك الله وانت تدعو الى دراسة الفلسفة الوضعية عند «اوجست كونت» وتلاميذه، ومذهب «دوركهايم» وأتباعه في الاجتماع، والى بيان ما فيهما من قصور وتهافت وعجز عن استيعاب كل جوانب الانسان وآفاقه، او من نظر قاصر (او بعين واحدة) الى الانسان والكون والحياة..

لك الله يا شيخنا وانت تدعونا الى القراءة العميقة للفلسفات المعاصرة كلها، وللمدارس المختلفة في الادب والتربية والعلوم الانسانية والاجتماعية، والى ان يكون لنا في مقابل ذلك مدارس علمية وفكرية اصيلة في بحثها عميقة في تفكيرها متميزة بوجهتها ومناهجها، وان تقوم – على سبيل المثال – مدرسة اسلامية في التربية، ومدرسة اسلامية في علم النفس وثالثة في علم الاجتماع.

لك الله يا شيخنا الجليل وانت تدعو الى التفاعل الثقافي والحضاري مع العالم كله، بحيث نأخذ منه وندع بحسب فلسفتنا ومعاييرنا مختارين على بصيرة غير مجبورين، مستذكرين ما اخذه الغرب عنا، واقتبسه منا، وطوره، وبنى عليه.

لك الله وانت اذ تقرر انه لا مانع من الافادة من معطيات حضارات الآخرين ومدنياتهم، تقرر في الوقت نفسه انه ينبغي ان نضفي على ما نأخذه من ذلك من روحنا ومن شخصيتنا ومن مواريثنا الثقافية والاخلاقية ما يجعله جزءا من منظومتنا الفكرية والقيمية والحضارية.

لك الله وانت تضرب مثلا يحتذى في رحابة الفكر اذ تؤكد اننا وان كنا نرفض نظرية «فرويد» في التحليل النفسي وتفسير السلوك البشري، ونظرية «دوركهايم» في الفلسفة الاجتماعية، ونظرية «ماركس» في فلسفة الاقتصاد والتغيير، فان هذا لا يمنع من وجود اشياء صائبة فيما قالوه.. وهو مَثّلٌ في النظر الموضوعي نحب للغرب والشرق ان يتمثلوه وهم ينظرون الى الاسلام وحضارته وما يُنتظر لرسالته من حضور رحيم في مستقبل البشرية بعد ان اطبقت الظُلمات عليها على انواعها، وصار امرها ، في الظلال الكئيبة لجبروت الاستعمار المتجدد، فُرُطا.

لك الله يا شيخنا الجليل، اذ تثبت ان تقدم السن لا يمنع من شباب الارادة وفتاء العزيمة وتوهج العقل، بل يجمع الى ذلك كله عمق التجربة وسَعَة الحكمة ونفاذ البصيرة.. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.