يستوقف العقل, ويحمله على التأمل البعيد, ما يذهب اليه مؤرخ الفكر والحضارة الفرنسي «غوستاف لوبون» في كتابه الذي ترجمه شيخ المترجمين العرب الاستاذ عادل زعيتر «رحمه الله»: «حياة الحقائق» من ان معرفة تاريخ حصاة واحدة يستلزم معرفة واسعة بأسرار الكون, وأننا لا ندرك من العالم سوى الانطباعات التي يؤثر بها على حواسنا لا الحقيقة نفسها.
وأول ما يعنيه ذلك ان ما نظنه الحقيقة ليس هو «الحقيقة في ذاتها», وأنه سيظل هناك حدود لما نعرفه فلا يذهبن بنا الوهم الى امكان ان نكون مُلّاكاً للعلم المطلق بالاشياء, فهو (إمكان/ مستحيل) اذا صحّت العبارة, وهو ان تمكن من مشتغل بالعلوم دفعه الى ضروب من المخرقة أو المراهقة «العلموية».
واذا نحن تجاوزنا العالم الفيزيائي, عالم الاشياء والعلاقات فيما بينها وما يضبط هذه العلاقات من قوانين الوجود, الى العالم الانساني وما تتقلب فيه العقول والأنفس والأذواق من ألوان الانفعالات والعلائق, وما تتمثله من قيم ومبادئ وتصورات, فإن مساحة المجهول لا تنفك تتراحب, وسيكون «اليقين» أبعد شيء أملاً. وإن كان بعضهم سيظل يزعم أنه عليم بالبواطن علمه بالظواهر, وأن لا شيء بمنأى عن عقله ولا عن علمه الذي يراه محيطاً!!
لقد اجمع الفلاسفة (عمانوئيل كمانت مثلاً وقبله الامام الغزالي) والعلماء (هنري بوانكري مثلاً) على التفرقة بين ظواهر الاشياء وبين الاشياء في ذواتها, وما كان لأحد أن يكون على طرف من علم أو من فلسفة ثم يقوم مدّعياً بأنه صاحب القول الفصل في حقائق الاجتماع الانساني أو حقائق الكون, وذلك اعتماداً منه على نزر يسير حصّله من العلوم أو على صبابات مما يتلهّى أو يتعلل به صغار العقول..
إن المسألة هنا لا تعدو كونها دليلاً على قصور الوعي أو على وقوعه في إسار التمذهب الضيق, أو على حالة نفسية تقتضي المعالجة.
إنه لا علم حقيقياً هنا, ولا هدى, ولا كتاباً منيراً. وما ثم الا التخبّط والتنفّج وما يكون في ركابهما من مغالطات وسمادير.
بين الحقائق والدعاوى
12:00 4-12-2016
آخر تعديل :
الأحد