من الثابت ان للأجور اعتبارات اجتماعية وإنسانية تتقدم على الإعتبارات الإقتصادية المجردة، فأجر العامل ليس مجرد ثمن لأحد عوامل الإنتاج التي يتكبدها صاحب العمل، فهو بالنسبة للعامل في الغالب المورد الأساسي الوحيد الذي يعتاش منه هو وأسرته، وبهذا المفهوم الإجتماعي للأجر كان من الضرورة أن تضمن الدولة للعامل أن يتقاضى أجرا كافيا يغطي احتياجاته واحتياجات أسرته، ويحقق التوازن بين مصالح العمال وأصحاب العمل بما يساهم في تحقيق الأمن والسلام الإجتماعيين، ومن هنا جاء مبدأ تدخل الدولة لوضع حد أدنى للأجور بهدف حماية أجر العامل من الخضوع لآلية العرض والطلب في سوق العمل، هذه الآلية التي لا تحقق العدالة للعامل خاصة من ذوي المستويات المتدنية من المهارات والخبرات.
وقد عرّفت منظمة العمل الدولية الحد الأدنى للأجور بأنه «الكسب الأدنى للعامل المسموح قانوناً أو فعلاً مهما كان مستوى كسب أو مهارة العامل» وحددت إتفاقية منظمة العمل الدولية بشأن «تحديد الحد الأدنى للأجور رقم 131 لسنة 1970» العناصر التى تؤخذ في الاعتبار لتحديد المستويات الدنيا للأجور، وهي أولا، احتياجات العمال وعائلاتهم مع مراعاة المستوى العام للأجور في البلد، وتكاليف المعيشة واعانات الضمان الاجتماعي ومستويات المعيشة النسبية، وثانيا، العوامل الاقتصادية، ومنها متطلبات التنمية الاقتصادية و مستويات الانتاجية والرغبة في بلوغ مستوى مرتفع من العمالة والحفاظ عليه.
وقد أخذ قانون العمل الأردني بمبدأ تدخل الدولة في وضع الحد الأدنى للأجور منذ صدور أول قانون للعمل في المملكة وهو القانون رقم 21 لسنة 1960، الذي أعطى مجلس الوزراء صلاحية وضع الحد الأدنى للأجور بتنسيب من وزير الشؤون الإجتماعية والعمل، كما قانون العمل المعمول به حاليا الذي صدر عام 1996 على تشكيل لجنة ثلاثية من ممثلين عن الحكومة والعمال وأصحاب العمل تضع الحد الأدنى للأجور بالإجماع، وفي حالة عدم الإجماع يرفع الأمر إلى مجلس الوزراء لاتخاذ القرار اللازم بشأنه، غير أن هذه النصوص لم يتم العمل بها إلا في عام 1999، عندما صدر أول قرار للحد الأدنى للأجور وكان مقداره (80) ديناراً شهريا، ثم أصبح في عام 2002 (85) ديناراً، و(95) ديناراً في عام 2005، و(110) في عام 2006، و(150) ديناراً عام 2008 باستثناء عمال المنازل وصناعة الملابس، و(190) ديناراً عام 2012 باستثناء العمالة الوافدة.
وكانت اللجنة الثلاثية لشؤون العمل المخولة بموجب قانون العمل بوضع الحد الأدنى للأجور ومراجعته قد شكلت بداية هذا العام لجنة فنية من ممثلين عن كل من وزارة العمل والبنك المركزي ودائرة الاحصاءات العامة ووزارة الصناعة والتجارة ووزارة المالية وديوان الخدمة المدنية ومؤسسة الضمان الاجتماعي، لدراسة واقع الحد الادنى للاجور الحالي البالغ 190 ديناراً، وامكانية رفعه والآثار المترتبة على ذلك.
حيث قدمت اللجنة الفنية تقريرا أوصت فيه برفع الحد الادنى للأجور بما لا يقل عن 30 ديناراً ليصبح (220 ديناراً أو اكثر)، وذلك بهدف المحافظة على القوة الشرائية للعامل كما كانت عليه تقريباً عند تطبيق آخر قرار برفع الحد الأدنى للأجور في بداية عام 2012، بحيث يراعى في ذلك أثر معدل التضخم للاعوام 2012- 2014 (والذي يقدر بمبلغ يتراوح ما بين 22- 26 ديناراً على الحد الأدنى الحالي).
وفي ضوء تقرير اللجنة الفنية المشار إليه، اجتمعت اللجنة الثلاثية لشؤون العمل في 24/ 4/ 2016 للبت في الأمر حيث اتفق ممثلو غرفة تجارة الأردن واتحاد العمال واتحاد المزارعين على أن يصبح الحد الادنى للأجور 300 ديناراً، بينما كان رأي غرفة صناعة الأردن أن يكون الحد الأدنى للأجور 220 ديناراً فقط، وبناء على ذلك وحيث أن قانون العمل يشترط لصدور القرار أن يكون بالإجماع وفي حال عدم الإجماع يرفع الأمر لمجلس الوزراء ليتخذ القرار اللازم بشأنه، فقد تم رفع الأمر إلى مجلس الوزراء.
وقد أحال مجلس الوزراء في ذلك الوقت الموضوع إلى اللجنة الإقتصادية المشكلة من عدد من الوزراء الإقتصاديين، غير أن استقالة الحكومة السابقة حال دون اتخاذ القرار اللازم بهذا الشأن، حيث ينتظر من الحكومة الجديدة استكمال النظر في هذا الأمر وحسمه نظرا للتأثيرات الإجتماعية والإقتصادية السلبية التي قد تترتب على إهماله.
وباستعراض مبررات اعادة النظر في الحد الأدنى للأجور في هذه الفترة بالتحديد، وما تم التوصل إليه من مؤشرات بهذا الخصوص، نجد بأن هناك عددا من العوامل التي لا تحتمل التأجيل، وتتطلب رفع الحد الأدنى للأجور على وجه السرعة، ومن أهمها ارتفاع معدل التضخم في المملكة خلال السنوات 2012 - 2015، أي منذ صدور آخر قرار لرفع الحد الأدنى للأجور وذلك بنسبة 11.3% على الأقل، إضافة إلى تآكل الرقم القياسي الحقيقي للأجور في نهاية عام 2013 بمقدار 0.8 نقطة مئوية بالمقارنة مع سنة الأساس (2010= 100) متأثراً بارتفاع تكاليف المعيشة، حيث يتوقع أن يكون التآكل في الأجور قد استمر على نحو مماثل نظراً لارتفاع الرقم القياسي لتكاليف المعيشة خلال عام 2014 الى112.7 مقارنة مع 109.6 خلال عام 2013، أي بارتفاع مقداره 2.9%..
ناهيك عن ارتفاع معدل البطالة، والانخفاض المستمر في معدل المشاركة الاقتصادية التي تقل عن 41% من مجموع السكان في سن العمل، وتعتبر من أدنى المستويات في العالم، (60% للذكور و13.3% للاناث)، حيث يشكل انخفاض الأجور أحد الأسباب الرئيسية لانخفاض المشاركة الإقتصادية.
ومن الجدير بالذكر هنا أيضا أن معدل الإعالة السائد في المملكة وفق تقديرات دائرة الاحصاءات العامة يشير إلى أن الفرد الواحد يعيل نفسه وثلاثة أفراد، وحيث يبلغ خط الفقر العام ( المطلق) للفرد 814 دينار سنويا اي ما يعادل حوالي 68 دينار شهريا، فيكون مقدار الاعالة المطلوب لأربعة اشخاص حوالي 272 دينار شهريا حتى تصل الاسرة الى خط الفقر المطلق، وعليه فإن من المهم عند النظر في وضع الحد الأدنى للأجور الأخذ بعين الإعتبار أن يكون كافيا لإعالة أربعة أفراد على الأقل وليس فردا واحدا.
* الأمين العام السابق لوزارة العمل
والمستشار القانوني لمنظمة العمل الدولية