لا يَكفُّ الصَديق، المثابر، الباحث الدكتور محمد الأرناؤوط عن تقديم ما هو مختلف، لحقب من التاريخ لا تزال معتمة. وفي جديده اليوم، ترجمته لكتاب (من مذكّرات ملك ألبانيا أحمد زوغو في مصر 1946 _ 1955)، وهو آخر ملوك ألبانيا، لمرافقه (أحمد سلماني). وهي رواية للأحداث، بطبيعة الحال، منحازة إلى موقف الملك الذي خسر عرشه، منذ بدء الحرب العالميّة الثانية في العام (1939). وربّما كان من الطبيعيّ، أيضاً، أن تكون مقدّمة الصديق الأرناؤوط، الطويلة، للكتاب هي رواية أخرى محبّة، ومنحازة، نسبيّاً، إلى رواية كتاب الملك.
في الكتاب قصصٌ مثيرةٌ، وغريبة، ومتشابكة، حول الكثير من قضايا المنطقة والعالم، منذ العهد العثماني، وحتّى البارحة، منها؛
الحرب الأهليّة في ألبانيا، واستلام الحزب الشيوعي للحكم، وتحويل البلاد من مملكة إلى جمهورية (43 _ 1946). تفاصيل هرب آخر ملوك ألبانيا، أحمد زوغو، ولجوئه إلى مصر، مع حكومته وبرلمانه ومستشاريه، ومعظم مَن رفض الحكم الجديد، إضافة إلى (11) حقيبة فيها (178 كغ) من الذهب، هي كلّ محتويات الخزينة الألبانيّة، وذلك بعد رحلة طويلة ومضنية في العواصم الأوروبيّة (1946). علاقة زوغو بكارثة فلسطين، وعلاقاته الوثيقة مع الحكّام العرب آنذاك؛ (الملك عبد الله الأوّل، الملك فاروق، الرئيس شكري القوتلي، والرئيس كميل شمعون، وقادة الثورة المصرية) (1946_1955). دور الضبّاط الألبان في حرب فلسطين (1948). وتأسيس سفارة ألبانيّة في القاهرة للملك المَنفي، وبلاط ملكيّ في الاسكندرية (1948). وصولاً إلى مجيء (الأمير ليكا) ابن الملك زوغو إلى عمّان، في العام (1997)، ومقابلته للملك الراحل الحسين، ودعمه له (كما يقول المترجم، الذي التقى الأمير ليكا في تلك الفترة، بعد فشل الاستفتاء على الملكيّة في ألبانيا)، حيث تعود علاقتهما إلى فترة الزمالة في مدرسة (كليّة فكتوريا) بالاسكندريّة، في أواخر الأربعينيّات من القرن العشرين، وغير ذلك الكثير من الموضوعات التفصيليّة والإنسانيّة والمهمّة.
من المثير في أحداث الكتاب، وهو ما أشار له المؤلّف، هو لجوء الملك زوغو إلى مصر، بزعامة الملك فاروق، الذي كان والده الملك أحمد فؤاد مرشّحاً للعرش الألبانيّ (1913).
ومن قصص الكتاب الطريفة واللافتة، ما يحتفظ به فندق (مينا هاوس)، في القاهرة، من ذكريات، عن إقامة الملك زوغو فيه لأوّل مرّة (1946). حيث احتاج فَنّيو الفندق إلى (رافعة؛ وِنش)، كي يتمكّنوا من إدخال (حقائب الذهب الألباني)، و(الخزانة الكبيرة)، التي كانت تحتوي على ما تبقّى من (الماس والذهب الألباني)، المرافق للملك، وذلك عبر النافذة إلى الجناح الخاصّ بالملك في الفندق..!؟
ثمّ ينتقل الملك زوغو بعدها للإقامة في قصر (أنطونيادس) في الاسكندرية، في انتظار اكتمال بناء قصره فيها. وهذا القصر (أنطونيادس) كان قد بناه محمد علي، في القرن التاسع عشر، ثمّ عهد به الخديوي إسماعيل، لاحقاً، إلى الفنّان الفرنسيّ (بول ريشار)، ليجعل من حدائقه نموذجاً من حدائق قصر (فرساي). وبعد وفاة الخديوي إسماعيل، آل القصر إلى الثريّ اليونانيّ (جون أنطونيادس)، واشتهر باسمه إلى اليوم، وبعد وفاة الأخير (1895)، قام ابنه بتنفيذ وصيّة والده، بإهداء القصر إلى بلديّة الاسكندرية في العام 1918. حيث نزل في هذا القصر لاحقاً، عدد من ضيوف مصر، من الملوك اللاجئين إليها، بعد كارثة الحرب العالميّة الثانية (1939_1945).
ففي تلك الفترة، كانت الاسكندريّة ملاذاً لكثيرٍ من ملوك أوروبا، الذين فقدوا عروشهم، وأطاحت بهم الحرب العالميّة الثانية. فبالإضافة إلى الملك الألباني زوغو، فقد كان في الاسكندرية لاجئاً كلٌّ من؛ الملك (عمانوئيل الثالث؛ ملك إيطاليا وامبراطور الحبشة)، الذي اعتلى عرش ألبانيا بعد احتلال الجيش الإيطالي لها، أيّ أنّه كان العدو اللدود للملك (زوغو)..! كما كان في الاسكندرية لاجئاً أيضاً؛ ملك اليونان، وملك يوغسلافيا، وملك بلغاريا..!؟
وعلى الرغم مما يحتويه هذا الكتاب من أسرار وتفاصيل شخصيّة واجتماعية وإنسانيّة نادرة، فللدكتور الأرناؤوط العديد من الكتب، النَفيسة، المؤلّفة والمحقّقة والمترجمة، والمنشورة منذ العام 1979، تصعب الإحاطة بها هنا ،منها؛ «الاستقلال القومي والاندماج الإقليمي في العقد الأخير من القرن العشرين».
fafieh@yahoo.com
مُلوكٌ بِلا عُروش..!؟
12:00 15-11-2016
آخر تعديل :
الثلاثاء