الفلكلور (الفنون الشعبية) هو تفاعل وجداني عفوي يسجل انطباع الجماعة في المكان والزمان عما يجري من احداث ومواقف. وما من بقعة يتعايش فيها الناس الا وتعبر عن افراحها واتراحها باشكال وقوالب ترى انها الاجمل والانسب. صورة واداء ازاء كل المناسبات فيما اصطلح على تسميته بالفنون الشعبية (الفلكلور).
لهذه الابداعات الجمالية الوان خاصة تتميز فيها كل منطقة عما سواها، او تشترك معها في بعض الجزئيات والحركات، كما في «الدبكة» في شكلها العام، وادائها وملابسها، وطقوس لاعبيها، واماكن تأديتها.
وفي عجالة فلكلورية نعرض لنماذج فلكلورية غنية ومتعددة الاشكال من قرية (عبسان) في فلسطين، التي تجتمع فيها البادية والحاضرة، بحكم موقعها الجغرافي على تخوم الصحراء، واطراف المدينة، وتفاعلاتها مع الجوار في بني «سهيلة» و«خزاعة»، وما جاء به ابناء ديرة «بئر السبع» البدوية، وما اكتسبته من ابناء الشتات والنكبة الفلسطينية، من ابناء مدن وقرى شمال فلسطين التي وفدت اليها بعد عام 1948، حاملة اليها الكثير من تراثها وموروثها وفلكلورها.
ملتقي التاريخ
في هذه القرية (الفلكلورية) عبسان، كما في شقيقتيها «بني سهيلة» و«خزاعة» يلتقي التاريخ في الجزيرة العربية، مع تخوم الشام. في هجرات جذام. وقضاعة، وجرم، وشمر، وغسان، وتميم وغيرها، مما طبع فلكلورها بطابع الفخر والحماسة من جهة، وبالغزل والتشبيب، وذكر الاحبة، وغيره من الوان يتغنون بها، او يهزجون، او يؤدونها غناء وحركات تعبيرية بين هادئة، وصاخبة، اعطيت اسماء تعبر عن لون الحركة والموقف.
يا الله عَ الدبكة
فهذه الرقصة التعبيرية الصاخبة، انما سميت (الدبكة)، لان لاعبيها يدبكون على الارض دبكا، اي يضربون الارض باقدامهم ضربا بايقاع تبادلي او تماثلي يصخب، ويهدأ حسب اشارة او ايماءة «الريس» الذي يلوح بمنديله تلويحاته، التي لها معناها الذي يفهمه «الدبيكة» لتأدية حركة ذات معنى، وذات صيغة تزيد المنظر جمالا وحيوية.
اذن، فليكن نموذجنا الاول من نماذج «عبسان» الفلكلورية هذه لون من «الدبكة».
اقول «لون من الدبكة» لان الدبكات تتعدد اشكالها وطقوسها بتعدد قرى وبوادي وحواضر بلاد الشام الكبرى، فهي في اماكن يشترك في ادائها الشبان والشابات معا، وفي اماكن اخرى يؤديها الشبان والشابات كل على حدة.
ففي دبكة «عبسان»، و«بني سهيلة»، وخزاعة» تتكون فرقة الدبكة من الشبان فقط، والنساء ينظرن من بعد، يعززنها بالزغاريد و«الولاويل» والحداء عن بعد ايضا.
للدبكة طقوسها
طقوس الدبكة هنا طقوس افراح.. عرس عودة غائب.. توديع حاج.. احتفال ختان (طهور) الى غير ذلك اما ملابس لاعبي الدبكة فهي لا بد ان تكون فلكلورية ايضا، يعبر عنها الشاب في مقتبل العمر والحيوية، برشاقته، وخفته التي تتسربل قميصا ابيض ناصعا، تلعوه صديرية سوداء، يطرزها الحرير الابيض بالوان الذوق الزخرفي، فيما تكتمل اية الفلكلور في اللباس بسروال شبابي اسود يلتصق بالكاحل عند اسفل الساق في منظر يعبر عن الرشاقة والجمال احسن تعبير.
المسدس والشبرية
واظهارا للبأس والقوة لا بد من خنجر «شبرية» يتمنطق به الشاب في وسطه، او مسدسا يتوشح باحزمة الرصاص على وسطه وصدره، اضافة الى خيزرانة رقيقة يلوح بها في يده.
هذه الصورة الجميلة الزاهية تبدأ حركاتها في ساحة او فناء منزل كبير على ايقاع الشبابة (الناي)، او المقرون (الأرغول) واذ تشتبك الايدي يلوح الريس بمنديله، وضربة من قدمه على الارض معلنا بدء الحفل تنطلق الحناجر بدفء مدلعنة» منادية «على دعلونا.. على دلعونا.. ريح الشمالي غير اللونا..» ثم تتردد الاصداء زغاريد وولولات من النساء المشاهدات عن كثب، واصوات رصاص من هنا وهناك ممن اخذتهم النشوة وايقاعات «الدلعونا».
الدنيا كلها تدبك!
وما ان يلعلع صوت الشبابة مع كلمات الدلعونة حتى تغدو كل القرية متفاعلة وحاضرة ومشاركة، شيبا وشبانا، رجالا ونساء.
ان كل القرية مسرح، والحضور والمشاركون من كل من يسمع الصوت.. والنور من القمر ومصابيح الكاز قبل عصر الكهرباء ودون مكبرات صوت..!!
وحتى تكتمل الصورة، هنالك في طرف النار موقدة، واباريق الشاي الضخمة، و«بكارج» اوعية القهوة والدلال فوقها، حيث يدور صبابو القهوة والشاي او يتقدمون لها كما يشاءون.
وتتواصل الدبكة وريسها (رئيسها) يطلق تتعبيراته مستنفرا او شاحذا للهمم حسب المواقف، لقد سمعته في احدى دبكات عام 1947 على خلفية الحرب بين العرب والعصابات الصهيونية بقول باباء وشمم «من باب القدس طلت عسكرنا
وفوزي الكاوقجي هو نصرنا»
(القاوقجي: قائد جيش الانقاذ).
كما استمعت اليه بعد النكبة عام 1948 يقول:
«يا حاج أمين ويلعن هالعيشه
ومن بعد الرز اكلنا الجريشة»
(الحاج امين: مفتي فلسطين)
وتستمر الدبكة تحدو قافلة النضال، واذ يبدأ العمل الفدائي تتفاعل الدبكة مع هذا الجديد، فنسمع من جملة ما سمعنا:
«طارت طيارة ع الكبنية
واكثر سلامي على الفدائية»
(الكبينة: المستعمرة اليهودية)
هذا على الجانب النضالي والسياسي. اما على بقية الجوانب فللدبكة اغانيها واهازيجها التي تعبر اجمل تعببير عن الحالة الوجدانية في الغزل وذكر الحبيب، حيث تسمع:
«من فوق الصبر لارميلك حالي
وانتي السبايب باللي جرالي..»
وما الصبر الا نبات شوكي صعب يزرع حول البساتين ليكون سياجا وحماية لها من التعديات، والويل لمن يصاب باشواكه، فهو «فلكلوري» كذلك..
وهكذا تخترق هذا السياج أغنية الدبكة في ذكر الحبيب حيث يقول في شوط دبكة جديد:
«من فوق الصبر واني باطلع
يا عيونها بتغمز يا قلبي ولع»
ثم ينتقل مناديا الحبيب:
«في أم التنوره ودايرها كشكش
غربي البلد يالله نتوشوش»
واذ تتعالى الصيحات، والزغاريد، مع اطلاق الرصاص ابتهاجا، ينفعل «الريس» وينتقل الى التشبيب، بصوت رخيم يتهدج بانفعال متفاوت المقام:
«صفي شليشك ع نمره اطنعشر
يا روس اخدودك يا موز مقشر»
(الشليش: تسريحة الشعر)
الجو يعبق طيبا
اما والجو فرح ومرح، فان الروائح العطرة تفوح في المكان لكثرة ما سكب الشباب من عطور على ملابسهم واجسامهم تحسبا للمناسبة الطيبة.. وانها عطور فلكلورية كذلك!
ومن اوجه الجمال والغرابة ان فرق الدبكة هذه ليست فرقا رسمية، او لها عنوان، او تنظيم. او قيادة..!! واذ يعلن عن فرح او مناسبة ترى فرقة للدبكة قد انبثقت لتوها، وتعاقب على رياستها وقيادتها من اهل الرياسة والقيادة، دون سابق ترتيب، وتبدو وكأنها منظمة ومتفق على ادوارها من قبل!
الدحيّة
وما ان ينقضي هزيع من الليل، وترق النسائم، حتى ترى مجموعة اخرى من شباب تقدمت بهم الأيام يتسربلون في لباس فلكلوري يسمى «القمباز» وهو عبارة عن ثوب مشقوق من الامام يلتف حول الجسم، يضمه حزام جلدي عريض عندا لخصر، وتحته سروال ابيض يستر الساقين حتى الكعب، فيما يعلو الرأس «الشماغ» او «الغثرة» والعقال «المرعز» الذي ما يزال سيد الموقف في ديرة الفلكلور والاصالة.
هذه المجموعة اتخذت مكانها على مسرح الحدث الكبير اي الساحة، واصطف افرادها بتمايل، وقد شكلوا قنابيزهم في احزمتهم واخذوا يفركون ايديهم، تمهيدا لنوع من التصفيق سريع الايقاع على تفعيلة «دحيي.. دحيي.. دحي حو..» يرددونها مع تمايلهم وخطوات الى الامام والخلف، كأنها الهجوم والانسحاب.
ان معنى هذه التفعيلة في فلكلور (عبسان) هلموا.. تعالوا.. هلموا.. تعالوا.
وبما انها دعوة للفرح فانها لا تستمر لاكثر من عشر دقائق، وكأنها فاصل برامجي او اعلاني في التلفزيون، والمسرح.
السامر
بعد ذلك يتهيأ الجو عند منتصف الليل لتقديم سيد السهرة، ومرتكزها، الا وهو «السامر» ففيه يلتقي الجميع شيبا وشبابا، يكون احيانا صفا، ويكون صفين متقابلين في احيان اخرى.
يتكون الصف في السامر من عشرة الى ثلاثين رجلا او شابا، يقودهم ما يعرف بـ «البداع» وهو رجل محنك، حاضر البديهة، «يبدع» القول وفق مقتضيات الحال، وهم يرددون ما يقول على ايقاع نوع من التصفيق «مثاني، ومثالث..» فيما تتكرم احدى النساء بثوبها الفلكلوري الفضفاض المطرز بالحرير، وفي يدها خيزرانة تلوح بها تجاه المتسامرين، وعلى رأسها «قلة» ماء او «شربة» من الفخار، تتمايل بها بخفة ورشاقة، وهي تتطارح التقدم والهجوم والانسحاب مع من امامها في حمأة الحماس والهياج، حسب ما يفضي به البداع، الذي يعطي تارة حمدا وشكرا، وتارة هجاء وتعريضا.
يقول القوال او البداع اقوالا شتى، لكن اللازمة التي يرددها المتسامرون هي: «ريحان.. قول الزايده» طبعا يرددونها منغمة على مقام التمديد الجميل.. ومعنى القول: «هل لكم في الريحان.. نعم نريده»..
لقد استمعت الى البداع «مصطفى ابو عرفات» عليه رحمة الله يمدح صاحب الفرح في السامر يقول: «ابو محمد يشري البن ارطال ارطال
ما يعرف سعر الوقيه».
وهكذا يردد الجمع وراءه العبارة السالفة:
«ريحان ... قول نريده..».
واذ يكون هنالك صفان متقابلان ترى البداع في صف يقول شطراً من البديع، يكمله البداع الآخر...
نرى ما يقول الاول:
«اقديح حان الممكينه بألف عسمللي..
يرد عليه الثاني:
«او خلاها سبيل للناس تمللي.
(اقديح : وجيه الاسرة)
والمتسامرون في الصفين يعلنون الابتهاج، ويرددون:
«ريحان .. قول نريده..»
الرزيع
وبعد الوصول الى حد الاشباع من «الريحاني» يأخذ البداع في اطلاق لون فني آخر له جاذبيته وبهاؤه، يقال له «الرزيع»، فينادي: «يا سامعين الصوط (الصوت) تعالوا انهني... اي نهنيء ... وبالطبع يمط في الصوت وينغمه ليتلاءم، مع ضربات على الاكف من المتسامرين منسجمة مع نعمته «الرزيع» ان هدوءاً او صخباً... نعومة او خشونة...
في هذا اللون تأتي الاقوال اكثر استرسالاً ، واكثر تنوعاً في بضع دقائق، وتمتد لنحو ساعة من الزمن، او اكثر... والمشاهدون يمتعون انظارهم ويشنفون آذانهم بهذه البانوراما الفنية التي تخاطب النفس والوجدان، بآيات من الجمال والطرب تعلل النفس، وتسمو بها نحو الرقة والعذوبة...
اما وكبار القوم قعود على المفارش والطنافس والحصر المزينة على اديم الارض ، يتكئون على المساند والوسائد المطرزة بألوان الفولكلور... العساني الاصيل، يحتسون القهوة العربية، او يتناولون الشاي بالنعناع، او الهيل والقرنفل، كما تراهم يدخنون التبغ والتمباك ، من علب او اكياس مطرزة يقال لها «العامرة» ، اي الله يجعلها عامرة في الطقس الفلكلوري، فما اجمل ذلك المنظر لرجل كث اللحية معقوف الشوارب، وهو منشغل بلف سيجارة، ثم يقضم باطراف اسنانه زوائد «الكاغط» او ورقة السيجارة لكي تلتصق بجسم السيجارة، او الغاليون، او الارجيلة «الشيشة» بين استخدام الجمر، او اشعال اعواد الثقاب «الكبريت» او استخدام «القداحة»، او الزناد والفتيل وحجر الصوان... الذي اندثر منذ اكثر من اربعين عاماً، بعد ان ظل دهوراً يزين احزمة الرجال رمزاً للكيف والعز.
وهات من عندك..
العيون قريرات بما تشهد، والآذان تطرب، بينما ترى المشاهدين مستغرقين في احاديث شتى... هذا يتحدث مع من حوله عن الموسم، والزرع و الحصا، وذاك يتحدث عن اسعار المحاصيل، وضمان الكرم او «المكتاة» اي مزرعة البطيخ والشمام، وآخر يتحدث عن موسم «العشار» للبقر والغنم وبقية الحيوانات التي لديهم، وغير ذلك من شؤون الدنيا والحياة..
وتمضي ساعات الفرح كل ليلة على هذه الشاكلة لمدة شهر، او شهرين، واحياناً تصل الى ثلاثة شهور، حسب الظروف، وان اقل مدة للفرح كانت لا تقل عن خمسة عشر يوماً...!
نعم .. هكذا كانت الافراح في قرى تنعم بالهناء وهدات البال قبل ان تنكب بالطاعون الصهيوني في عام 1948 ثم في عام 1967، واذ لا تعرف هذه القرى الوظائف الحكومية ، او الاعمال الرسمية الا لمدرسي المدرسة التي ربما لا توجد في كثير من القرى، او لبضعة انفار في مخفر شرطة ان وجد...
في الجانب النسائي
اما الجهة الاكثر عطراً وعبقاً وطيباً فهي الجهة التي تنطلق منها الزغاريد، والولاويل، والايقاعات الرقيقة على الطبلة والدفوف والمزاهر، غالباً ما تسمع فيها اطراء لاوصاف العريس في حال افراح الاعراس، او اطراء كرم صاحب المناسبة، وذكر مناقبه وعلوّ همته ، وشجاعته، وغير ذلك، فتسمع مثلاً من الميجنا والعتابا من تبعث صوتاً منغما:
«يا ميجنا... يا ميجنا...
ابو ناصر يا زينة شباب بلادنا...»
كما يمكن ان تسمع غناء على الميجنا في اطراء طبيعة وجمال البلاد ... مثل:
«يا ميجنا ... يا ميجنا..
زهر القرنفل، يا ربيع بلادنا..»
ثم تتكون النغمات والترانيم بين «يا ليل... يا عين...»
و«العتابا» في ذكر الاحبة، والغائبين، والمسافرين...
«يا غايبين طولتو الغيبة علينا
على الله تحنوا وتعودوا لينا...»
وللفتيات دبكتهن واغانيها التي تثريها الزغاريد والولولات الرخيمة، وايقاعات الطبلات اليدوية «الدربوكة».
وتقتضي العجالة ان نمر على الوان من الفلكلور «العبساني» في زقة العريس ، والعروس، ومواويل واغاني الرعاة، والحصاد، واحتفالات الختان (الطهور) وتوديع واستقبال الحجاج، والترويد للمطر وغير ذلك.
زفة العريس:
يخرج العريس معطراً مهفهفاً، بالقمباز والفترة والعقال والعباءة (البشت) في مقدمة موكب من الشباب والرجال، ثم النساء والفتيات، يخرج من بيت احد الاصدقاء، او الاقارب الذين تشرفوا باستضافته، في هذا الموكب الفني الذي تتردد فيه اولاً عبارة: «عريس مبارك حمامو... عروسته بتمشى قدامو...»
والجمع يصيحون: هو هو... هو هو... ثم ينطلق رئيس الزفة يؤججها بموال منه.
يهدهد العريس:
«عريس يا عريس لا تعتب على المال
بكرة تخلف وتجيبلك صبياني»
والجمع يردد وراءه: هو... هوي...
ويواصل الريس مداعباته للعريس والمشاركين:
«هر السمسم من الصندوق
قوم يا عايش روح السوق».
اما النساء في مؤخرة الزفة فيرسلن زغاريدهن وولولاتهن المعهودة ، مع رشقات من الحبوب والملح، ومن رموز البركة والخير، بالاضافة الى مشاركات وجدانية من حداء وغناء يبعث في النفوس مزيداً من البهجة والسرور، كأن تخاطب احداه العريس بقولها:
«فواز يا جدع... من وين جبت الحنه
من بلال السبع... من بلاد السبع»
او«فواز يا عريس - من وين جبت الحنه...
من بلاد العريش... من بلال العريش».
وهكذا تمضي قافلة الزفة، ترافقها زخات الرصاص حتى يبلغ العريس مأمنه فيودعه الشباب والصحاب بالقبل والعناق، وبقفشات ومداعبات له «النصر المبين».
زفة العروس:
«طالعه من بيت ابوها
رايحة لبيت الجيران..»
«لابسه الاحمر والاخضر
والعيون بتضرب سلام».
انها في ليلة الدخلة، التي تتلو ليلة سابقة تعرف بليلة «الحنة» تتحنى فيها العروس في حفل تشارك فيه كل النساء والصبايا، اللواتي يظهرن في زفة العروس وزخارف الحنة والوان الطيب تنبعث وتشيع في المكان، وكأن كل مشاركة عروساً...
«يوى ... يوي ...
انها ايقاع صوتي رقيق تردده فرقة الزفة..
يوي... يا زينه
يا حلوة الحلوين...»
الله يباركلك وعقبال للباقين...»
وصوت من هنا يطري جمال العروس، وآخر من هناك يطري مشيتها ، وغيره يتحدث عن لطفها و حسن معشرها، وعطر انفاسها، ولا تسلم من بعض القفشات، والصبايا يودعنها بالقبل والعناق عند باب المخدع، مع الدعاء لها بالنصر المبين....!(
يا حصاد عويد... عويد
ومن العرس والزفة، ننتقل الى الحصاد وطقوسه، حيث يتعاون كل اهل القرية في الحصاد مع فلان من الاهل والديرة..
وحتى تتم العملية بالتسلية، ومن دون عناء، تراهم يهزجون من وحي المناسبة... ومن اهازيجهم:
«يا حصاد عويد ... عويد
بر القمحة عن السويد»
يرددون هذه الاهزوجة وفق ايقاع طربي يغري بالسرعة في الحصاد، ويولد روح المنافسة، ثم ينتقل الحصادون الى تعريض بأحد الحصادين يحب «ام ديندش» في اهزوجة مغناة:
«يا حصاد الحرب سيرك...
وام ادنيدش ما تريدك...
وام ادنيدش للراعي...
والراعي قلبوا داعي.»
كذلك يرددونها جماعة وفق السياق اللحني الذي يردده القوال..
وراء المحراث...
ونعود الى موسم الحرث مع حلول الخريف ، حيث كانت الجمال، والثيران، والخيل، والحمير تجر المحاريث والحراث يسلي نفسه، وثيرانه بـ«الاوف»، و«العتابا» و«الميجنا».
و...«اووف حراث البقر ما اطول معانيك... ما اطول معانيك...
وانا يا زين باحلم في اوصافك
وبفسر معانيك...
اووف... اووف... اووف..»
وينتقل من موال الى موال من الصباح الباكر، وصوته يلعلع وتردد اصداءه - مع اقرانه - الجهات الاربع، حتى تأتيه الزوجة او الاخت او الام او الحبيبة حاملة الغذاء الفلكلوري، الذي غالباً ما يكون من محصول الارض، والبيض واللبن، والزبد، والجبن فيأكل ويستريح في جلسة سمر رائقة مع من حملت الطعام، والتي غالباً ما تطيب خاطره بكلمات: «يعطيك العافية يا...» وتودعه بأحلى الكلام، باعثة فيه الهمة ليستأنف الحراثة نافضاً عن كاهله التعب والملل..