كتاب

بعض المسكوت عنه

لا ريب ان الغباء المطلق مرتع خصب للغباء النسبي, وان اكثر ما نرى من ذلك متوافر في الاعلام والصحافة والثقافة, حيث لا موازين ولا مرجعيات معرفية أو اخلاقية, وحيث يمكن لذرائعي صغير ان يتقلّب بين المواقع والاتجاهات والسياسات فيصبح «بيضة القبان» في حوار الطرشان, وحيث يمكن للاعب سيرك متواضع المهارات أن يسوّق بضاعته المزجاة على الخشب المسندة التي اتفق ان ملأت المكان, وحيث يمكن لديك اعجف فصيح أن يمارس اعاجيبه وهو مطمئن الى صيحات اعجاب نظارته الذاهلين.

تلك كلها مظاهر من بلهنية الغباء النسبي في مراتع الغباء المطلق الذي القى بجرانه في غيبة الحكماء والعقلاء والاخلاقيين الذين لا تقوم قائمة لمجتمع الا اذا مكّنوا فيه تمكيناً أو في اقل تقدير اذا لم يدفعوا عن مواقع التأثير فيه–ومن ذلك الاعلام والصحافة والثقافة–دفعاً, ولم يقهروا على الصمت الكظيم بطرق شتى واساليب متباينة.

نقول هذا منطلقين من اعتقاد أن الحق مرجع والدين مرجع والوطن مرجع والاخلاق مرجع. ومن ملاحظة أن هذه المراجع هي آخر ما ينادى عليه في هذه السوق الصاخبة التي يزدحم فيها البائعون والمشترون والمساومون, والتي تكثر فيها البهارج والزيوف وألوان المخادعات..

كما نقوله ونحن نرى الى «س» أو «صاد» من الشطّار وهو يختلف الى عتبات هذه الجهة أو تلك, متخذاً لكل عتبة لبوسها, ومبدياً لها المنطق الذي يوافق اغراضها, وعارضاً خدماته «مضمونة الاجر» عليها, حتى اذا انثنى راجعاً الى المنبر الممهّد له تمهيداً, بقوة الغباء المطلق والذهول الذاهل, كان منه ما يضحك الثكلى من ألوان التواجد والدردشة «أيديولوجية وغير ايديولوجية» وكان لنا من هذه الحالة المعجبة ومن غيرها ما يؤكد حاجتنا الى اصلاح جذري شامل قبل أن لا يكون ثمة فائدة–على الاطلاق–من أي إصلاح.

كلام لا نقوله وفي قوس الاصطبار على الفساد في شتى أشكاله منزع. كما نقوله ونحن موقنون بأنه بعض المسكوت عنه في حياتنا السياسية والثقافية, وبأن أوان الصدوع به قد حضر, وأنه لا يجوز التخافت به بحال.