كتاب

لا معرفة.. ولا أخلاق

لم يعد، اليوم، مستحيلا ان يتابع المرء ما يجري في جهات الارض الاربع، وهو جالس على اريكته، فهل يمكن القول ان هذه المتابعة المتيسرة تؤهله لان يعلم، حقا وصدقا، حقيقة «ما هنالك» ام ان حصيلة ما ينتهي اليه احدنا من ذلك لا يعدو كونه إلماعاً متواضعاً إلى مجاهيل شتى قد تنسلخ الاعمار منا دون ادراك جوانب محدودة منها؟.

هذا هو الجانب المعرفي من المسألة، وهو يُظهرنا على ان لا وجه للقياس بين ما نعلم من شؤون هذا العالم وبين ما نجهله منها. اما الجانب الاخلاقي فهو يتعلق بما يتوالى علينا من انباء الحروب والفواجع، وبما تملك مذيعة خارجة لتوها من صالون التجميل ان تلقيه على مسامعنا مما يُمضُّ القلوب او ترينا اياه من مشاهد دموية. دون ان يطرف رمش اصطناعي لها، او ان يطرأ على وجهها المرسوم اي معنى من معاني الانفعال الانساني، سلبا او ايجابا.

فاذا كنا لا نفيد معرفيا ولا اخلاقيا من حضور تقنيات الاعلام في بيوتنا، فان ما وراء ذلك لا يتجاوز ما يتملق الجهالة والفضول فينا. ولعله ان يكون لونا من «التخلف» ذي الطابع التقني الذي نتمتع به في تلبثنا المذل ومكوثنا المهين في غبار الأُمم، قد قنعنا بان نكون كتلة صماء في المكان وخاطرا ثقيلا في الزمان، على حين تقدمت حولنا الأُمم، من شرقيه ومن غربيه، لما اخذت به من مناهج المعرفة (التي كنا سادتها ايام كنا عربا مسلمين على الحقيقة)، ولما اخذت به من مسالك الاخلاق (التي كان الاسلام الذي تنزل بين ظهرانينا هو تمامها وآية اكتمالها).

ان «المعرفة والاخلاق» معا هما احتياجنا الرئيس، وكل حديث دون ذلك او وراءه هو لغو من القول لا طائل وراءه. ولا يغرنكم اننا «موجودون» في العصر، فهو وجود – اذا عدم المعرفة والاخلاق – اشبه شيء بالعدم، ومن ذا الذي يلقي بالاً الى العدم؟ ومن ذا الذي يأخذه بالحسبان؟!!.