كتاب

في جمال الأخلاق

كان مما انتهى الينا من مأثور حكمة العرب قول الشاعر:

ليس الجمال بمئزرٍ فاعلم وأنْ رُدّيت بُردا

إن الجمال محاسنٌ ومناقبٌ أورثن مجدْا

فليت شعري: اي الناس يطلبون اليوم هذا الجمال؟ وأيهم يلتمسه راغباً فيه، وأيّهم يدفع عن وجهه الأذى، وأيّهم من يذود عن بهائه الأوضار والبشاعات؟

لقد تفلسف علينا بعضهم فقال إن حديث الأخلاق لا يجوز في الأدب وإن حديث الأدب لا يجوز في الأخلاق، فكان ذلك بعض دلائل قهر الجمال (بكل معنى) في حياتنا، وصار مستغرباً لدى الذائقة الشائهة عند هؤلاء ان يقول شاعر عربي، موجهاً النصح لابنه:

يا بدرُ والأمثال يضربها لذي اللُبِّ الحكيم

دُمْ للخليل بودهِ ما خير ودٍ لا يدومُ

واحفظ لجارك حقه والحق يعرفه الكريم

او ان يقول شاعر آخر (عنترة بن شداد):

وأغضّ طرفي إنْ بدت لي جارتي

حتى يواري جارتي مأواها

او يقول هو نفسه في مخاطبة ابنة عمه عبلة:

يُخبرْك من شهد الوقيعة أنني

أغشى الوغى وأعفّ عند المغنم

إن مثل هذا الجمال الاخلاقي الذي يحفل به تراثنا الأدبي حقيق بأن يكون موضع اهتمام المشتغلين بالتربية والتعليم والثقافة، وإذا كان صحيحاً قول الشاعر الذي بدأنا به حديثنا: «والناس مُبتنيانِ: محمود البناية او ذميم».

فان في ذلك اشارة الى معنى تزكية الأنفس واقامة بنيانها على مكارم الأخلاق التي اكدّ رسولنا الكريم محمد صلوات الله وسلامه عليه مجيئه ليبلغ بها تمامها وليرسُمها للبشرية نهجاً واضحاً وسبيلاً مأموناً لا يضلّ من سلكها.

ولقد كان العرب اكثر الأمم احتفالاً بالقصص والأمثال والأشعار والأقوال التي تتجلى فيها قيمهم الاخلاقية، من نخوة وكرم ونجدةٍ وإيثار وانصاف للمظلوم ونُصرة للمستجير وايواء للغريب، ولعل ذلك أن يكون من أقوى أسباب حسن تمثلهم للهدي القرآني، والله سبحانه أعلم حيث يجعل رسالته..

لقد تنزل القرآن الكريم بين ظهراني أمة «قيميّة» توافر لها صفاء الفطرة وإباء الأحرار فكان ان اصبحت هادية البرايا جميعاً ومخرجتهم من الظلمات الى النور، ومن عبودية العباد (ظلمة وفاجرين ومستكبرين) الى عبودية رب العباد التي هي أساس كل حرية وكرامة، ومن جور الأديان ودهاقنتها الى عدل الاسلام ورحمته..

تلك هي المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، وليس يعمى عنها الا جاهل مُظلم البصيرة، وإنْ كان بعضهم يجحدها وقد استيقنتها نفسه، حذر ان لا يكون لأمة العرب نهوض او كينونة متماسكة، لكنّ هؤلاء انّما يمكرون بأنفسهم لو كانوا يعلمون.