محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

«أحلام كبيرة».. دراما سورية تواجه أسئلة الراهن

«أحلام كبيرة».. دراما سورية تواجه أسئلة الراهن

No Image
طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ

«أحلام كبيرة» عمل درامي عرضته العديد من الفضائيات العربية خلال الأسابيع الماضية، وأثار الكثير من الأسئلة الكبيرة حول وقائع المجتع العربي الراهن .. حيث يواصل زمن العولمة تدمير مكونات العائلة وتخريب اقتصاديات الوطن وأخلاقيات المجتمع.. فيما يتواصل دون هوادة قمع المواطن، واجهاض أحلامه الكبيرة والصغيرة، وفيما يتواصل، رغم كل ادعاءات التحرر انتهاك أبسط حقوق المرأة، وتأبيد صورتها إلى مجرد أم مضحية، وزوجة تتفانى في إرضاء زوجها.. وإلا فمنوعات امتهان انسانيتها بالضرب، بل والتعذيب الذي يصل إلى حد الموت، هذا عدا الطلاق السهل والمباح للرجل، وحرمان المرأة من أبسط حقوقها في الحياة، باختيار كيف تعيش!..
ويسجل لهذا المسلسل أنه لا يهرب إلى الماضي، ليتخفى وراء الفانتازيات التاريخية، أو النقد التهريجي للراهن السياسي، بل يذهب إلى معالجة صلب المعضلات الحقيقية في مجتمعاتنا العربية: تدمير بنى المجتمع واستباحة أخلاقياته وروحه.
صحيح أن العمل لا يطرح حلولاً للمشكلات التي يعرضها، وهذه ليست مهمة الدراما على كل حال، إلا أنه يؤشر بشجاعة إلى المسارات والخيارات الضرورية لمواجهة هذه المشكلات.. وربما كان في مقدمتها صيغة الخلاص بوحدة العائلة وتماسكها كرد على دمار الأفراد وخيبات أملهم. وقد يكون الخلاص باتجاه العلمانية عبر اقتراح مضمر بالزواج المدني مثلا حين يحول اختلاف الدين بين الحبيبين دون تواصلهما.
هذه القضايا الكبيرة طرحها فنانان كبيران لهما بصمة بارزة على الدراما السورية: الكاتبة ريم حنا، صاحبة: «ذكريات الزمن القادم» و«أحلام مؤجلة» و«سحر الشرق» والمخرج حاتم علي، صاحب «الزير سالم» و«صلاح الدين الأيوبي» و«ربيع قرطبة» وكان الاثنان قد التقيا قبل ذلك في مسلسل «الفصول الأربعة».
جري تقديم وقائع هذا المسلسل من خلال حكاية عائلة أبو عمر الحلبي (بسام كوسا) الذي بات واحداً من أبرز الفناين العرب واستحق بجدارة جائزة أفضل ممثل عن دوره في مسلسل «ليالي الصالحية» وأم عمر (سمر سامي) التي أبدعت في تقديم صورة الأم المستكينة البسيطة والمنهمكة بشؤون مطبخها وعالمها الخاص الذي يكاد يتمحور كله حول دورها المألوف في الدعاء والقلق على غياب الأبناء، والعمل على خدمتهم، وخدمة زوجها، دون أن يكون لها هدف خاص، ودون أن  تهتم بمعرفة ما يدور خارج إطار البيت.
وإلى جانب الزوجين أولادهم الاربعة: عمر، حسن، سامي، رشيد.
وسنكتشف من خلال متابعة وقائع المسلسل، وشبكة علاقات أفراد هذه الأسرة بالمحيط الاجتماعي كيف بدأ الخراب يفتك بأساسات المجتمع وقيمه.. فالأب (أبو عمر) الذي يعمل في التجارة مع أخيه أبو شريف (حسن عويتي) يصاب بجلطة دماغية ذلك أن والده كان قد كتب كل الأملاك باسم أخيه.. مما أدى إلى تفجر المشاكل بين الأخوين وانفجار دماغ أبي عمر الذي يقعده عن العمل.. هكذا تشتغل الدراما الجادة، وبدون خطابات مباشرة على تصوير كيفية انهيار القيم والأخلاق، وضياع حتى بيت العائلة القديم، وقد عبر عمر عن هذا الواقع حين قال: «يبدو أن الحياة صارت ملكاً للاعبي الكشاتبين والأثرياء، ومن يسير في طريق الصح تروح عليه، فلا مال ولا حب ولا عائلة..».. ويضيف في حواره مع أخيه الثري ثم مع والده، محاولا الدفاع عن القيم المضيّعة: «أنا لا أدافع عن الناس من أجل المال، بل لتحقيق العدالة. ثمة فرق كبير بين المحامي والتاجر».
فيكون من نتيجة ذلك أن أحلام الابن الأكبر عمر (باسل خياط) تتكسر رغم تفوقه الدراسي.. فيضطر للتخلي عن طموحه بالسفر إلى الولايات المتحدة، لدراسة الفيزياء الحديثة، ليدرس بدل ذلك الحقوق، وفي نفس الوقت يعمل بالتجارة مع صديق والده، أبو وفيق (صبحي الرفاعي) كي يعيل أسرته، ثم يفتح بعد ذلك مكتباً للمحاماة، حيث يتعرف على الصحفية وفاء (نورمان أسعد).. فيقع في حبها و يتزوجها، رغم علمه بإصابتها بمرض قلبي يحول بينها وبين الإنجاب.
ونكتشف من خلال الابن الثاني، حسن (رامي حنا)، وهو الذي يمتلك شركة سياحية، أنه قد جمع ثروته بطرق غير مشروعة، مما أوقعه بمشاكل عديدة مع أصحاب الشركات السياحية المنافسة.
أما الابن الثالث، سامي (قصي الخولي)،  ورغم أنه مثقف ودرس المسرح وعمل في التمثيل، إلا أنه يتحول فجأة إلى نقيض ذلك بعد زواجه من سلمى (نادين) التي عادت من الولايات المتحدة خصيصاً لكي تتزوج منه.. حيث تحول إلى رجل ذي عقلية متخلفة، استبدادي الطباع يشك بزوجته وإخلاصها وتاريخها، فتنتهي الأمور إلى الطلاق.
الابن الأصغر والمدلل رشيد(مكسيم خليل) يدرس في الجامعة و يعمل في شركة حسن السياحية، ويحب زميلته هيفاء (نسرين طافش).
هذه الشبكة من العلاقات تكشف جوانب جديدة من مكونات المجتمع السوري فهناك الأسرة التي تنتمي إلى ديانة أخرى تحرم ابنتها منى من الزواج بمن تحب بسبب اختلاف الدين..حيث دبروا تسفيرها إلى الخارج بسرعة فكان أن وأدوا حبهما في المهد.
وهناك نموذج الفتاة المرحة المنطلقة هيفاء، فهي، كما تصف نسرين طافش هذه الشخصية،  شعلة من الحركة والنشاط، وكما يقال، زهراوية، تنثر الفرح أينما ذهبت. لم تؤثر فيها مشكلاتها الأسرية، لإيمانها أن لكل أزمة حلاً، ومن جهة أخرى فإنها تكاد تكون الشخصية الوحيدة في العمل التي لم تكن سلبية، أو تعاني من مشكلات مستعصية: مرض القلب واستحالة الإنجاب، واختلاف الدين، والمهانة والضرب والقتل والطلاق.. الخ..
ونكتشف من خلال هذا المسلسل أن الأحلام الكبيرة قد أجهضت كلها.. ذلك أن مكونات الواقع الاقتصادي والثقافي والاجتماعي، في زمن القمع والفساد والخراب الروحي والأخلاقي واستشراء قيم السوق والعقليات الاستهلاكية المعولمة لن تفرز على صعيد الفرد سوى المزيد من الطحن والمعاناة.. فلا يتبقى سوى التحصن داخل المربع الأول: البيت وتماسك الأسرة، لمواجهة الأعاصير المدمرة التي تهب علينا من الجهات الأربعة، ومعها تلك الآتية من كهوف الماضي القديم حيث يجري استحضار منوعات التخلف الظلامية، بديلا للتراث العظيم الذي يحفل به تاريخنا.
وبعيداً عن المضامين والأفكار التي قدمها المسلسل فقد جرى تقديم العمل بلغة فنية مدهشة أدارها حاتم علي باقتدار عبر نص متفوق لريم حنا يتقن لغة الدراما التلفزيونية بتشعب خطوطها وتماسكها ووحدتها في آن.. وبمصاحبة موسيقي تصويرية مدهشة،  بتوقيع طاهر مامللي، ومع أغنية الشارة المتميزة التي وضع كلماتها الشاعر نزيه أبو عفش وبصوت الفنانة نورا رحال،  
 وعبر ممثلين مبدعين يؤكدون جدارتهم وامتيازهم، وفي مقدمتهم بسام كوسا وسمر سامي.
nazihabunidal@hotmail.com

محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress