كتاب

غضب نبيل.. لا كراهية

حين يُظلم المرء، وحين يُحرم التعبير عن نفسه، وحين لا يجد كفايته، وحين تُسد منافذ الامل في أية انفراجة في الظلمة المطبقة حوله.

حين تكون هذه هي حال الافراد والجماعات، فان ما يسمونه «خطاب الكراهية» سوف يغدو «تحصيل حاصل» وسوف يلاقي العَنَتَ البالغ كل من يتحدث بحديث المحبة والمصالحة، ولا بد من خطوات عملية ملموسة سابقة على اي كلام، وهي خطوات ممكنة لولا شُح الانفس وما مرد عليه المفسدون من تصعير الخد ومن استغشاء التهاويل والاكاذيب دون الحقيقة والواقع.

ينطبق ما نقول هنا على الاجتماع الانساني المحدود انطباقه على المجموعات الاقليمية والعالمية، ويستوي في الاستعداد للكراهية بما هي نتيجة منطقية لجملة من المقدمات كل من يُظلم او يمنع من تحقيق ذاته واعتباره، او من يلهث خلف قوت يومه على حين يصاب غيره بالتخمة من كل نوع، او من يُقهرُ على ان يُنتزع من وطنه (الفلسطينيين مثلاً) او ان يُشرّد منها في الآفاق (السوريين مثلاً) او ان يضطهد فيها بسبب دينه (البورميين مثلاً).

إن اشتمال هؤلاء جميعا على اسباب موضوعية للتساؤل عمّا هم فيه من شقاء هو ما يمهد تمهيدا لغضبهم الانساني النبيل الذي غالباً ما يُحرّمه إعلام العولمة (الوجه الجديد للاستعمار) عن مواضعه، ويرده الى معنى الكراهية، فيكثر فيه ترداد العبارة المخادعة «لماذا يكرهوننا»، ولا يتورع رؤساء دول واساتذة اكاديميون من الجهر بها، وذلك كله خداع في خداع وإمعان في المكر، وهو في أبسط دلالاته اصرار على قهر الآخرين والغائهم واقصائهم، فاذا كان منهم رد فعل طبيعي على كل ذلك أُتُهموا بالكراهية وما ثمة إلا رفض الظلم والقهر ونشدان الحرية والكرامة والعدالة...

إن معظم ما نسمعه عن «خطاب الكراهية» يتنكب هذه الحقيقة ويزاور عنها، ونحن فيه نُهرعُ وننعق بما لا نسمع (اي بما لا نعقل)، وقلما نستوقف انفسنا لنبحث في العلل والاسباب، مع ان ذلك، اذا تم على وجهه كفيل بردّ الكرة الى مضارب المتسائلين تساؤل العارفين، ولكن بسؤال مشروع شامل الدلالة متعدد الصيغ مبسوط على وجه الزمان منذ قرنين او اكثر، وهو: لماذا ينهبون ديارنا، لماذا يحتلونها، لماذا يقتلوننا؟