استطاع النظام السوري بمناوراته وتلاعبه بالصياغات الكلامية لنص المبادرة العربية وتعددية اقتراحاته التعديلية لها وفق ما يخدم مصالحه الخاصة المتناقضة كلياً مع مصالح شعبه وتلكؤه في توقيع بروتوكول بعثة المراقبين العرب والتصرف إزاءها وكأنها نهاية المطاف وليست بدايته وفق ما كان الهدف منها لتكون آلية تنفيذية تظهر نتائجها الملموسة على أرض الواقع وفور توقيعها، استطاع بكل ذلك وبكل دهاء إفراغ المبادرة العربية من مضمونها وتجريدها من مفعولها وإيصالها إلى حائط مسدود بغية كسب المزيد من الوقت وتحقيق المكاسب الميدانية التي توصله للقضاء على الانتفاضة الشعبية العارمة التي تعم أرجاء الوطن السوري، والتي تطالب بالتغيير الإصلاحي الديمقراطي وإسقاط النظام الشمولي.
فالتوقيع على بروتوكول المراقبين كان يقتضي إظهار الجديّة في تنفيذ بنود المبادرة التي تنص على الوقف الفوري للعنف ضد المدنيين وسحب الآليات العسكرية من المدن والمناطق السكنية والبدء بإطلاق سراح المعتقلين وعقد حوار وطني مع قوى المعارضة في مقر الجامعة العربية، إلا أن ما حصل هو على العكس تماماً من ذلك، فأظهر النظام السوري استخفافاً ملحوظاً بما يتوجب عليه القيام به، فترك العنان لآلته الأمنية القمعية التي أخذت تحصد أرواح المدنيين والعسكريين المنشقين بالعشرات، فأوقعت خلال ثمان وأربعين ساعة فقط أكثر من مئتين وخمسين قتيلاً غالبيتهم في محافظة إدلب وحمص وجبل الزاوية، وقد شكلت تلك المجازر الدموية انتهاكاً صارخاً ليس فقط لالتزامه الشكلي ببنود المبادرة العربية، بل للمواثيق الدولية لحقوق الإنسان وللمناشدات الدولية الداعية إلى وضع حد للعنف الدموي المتواصل.
وأمام تفاقم الوضع المأساوي الذي يتعرض له الشعب السوري منذ الخامس عشر من آذار وحتى اليوم، يقف النظام العربي والمجتمع الدولي والهيئات الأممية عاجزين عن حماية شعب مدني يتعرض للترهيب والتقتيل اليومي المستمر، واتخاذ إجراءات عملية توقف ممارسات القمع الدموي عند حدها، فتعبير أمين الجامعة العربية عن القلق الشديد إزاء تصاعد أعمال العنف لن يجدي نفعاً دون قرار عربي حاسم، والإعلان عن الغضب الدولي إزاء المجازر التي يرتكبها النظام السوري بحق شعبه لا يكفي ولا يعفي المجتمع الدولي من مسؤولياته، كما لا ينطوي على أي فاعلية تذكر، وكذلك التصريح الأمريكي بأن العالم يراقب ما يحصل، وأن النظام السوري فقد مصداقيته، وتهديد واشنطن الكلامي باتخاذ خطوات إضافية لمعاقبة سوريا إذا لم تلتزم بالمبادرة العربية لا يعدو كونه موقفا شكليا أعجز من أن يردع النظام ويوقفه عند حده، والأعجز الأكبر في ذلك كله هو مجلس الأمن الدولي المكلف بحماية السلم العالمي، والذي تتعطل فاعليته كلياً عن أداء مهامه بفعل ديكتاتورية حق النقض (الفيتو) الذي تستأثر به الدول الخمس دائمة العضوية في المجلس، والتي استخدمته روسيا والصين معاً لحماية النظام السوري من الإدانة والعقاب، ثم تراجعت سوريا قليلاً بتقديمها مشروع قرار مخفف لتجنيب سوريا التعرض لقرار إداني لها اشد لهجة يلزمها بالانصياع للتخلي عن الحل الأمني والاستجابة لمطالب مواطنيها بالإصلاح والتغيير، وأمام حالات العجز هذه، سيواصل النظام السوري الإمعان في مواصلة أسلوبه القمعي.