استيقظت من نومي باكرا على غير عادة ، كان الصباح هادئا جميلا منعشا لدرجة القلق. الشمس تطل بتفاؤل خجول ، والعصافير في حديقة الجيران تقفز برشاقة ، تفرد أجنحتها للنسمة الندية ، تغرد أشعارها، تردد نشيدها الأول شاكرة الخالق على نعمة الهدوء والأمن والاستقرار من حولها. وسط هذه الأجواء الجميلة الشاعرية التي تبشر بطقس معتدل ، أخذت رشفة واحدة من فنجان قهوة الصباح ، ثم توقفت ، لن اشرب قهوتي على وقع اخبار المذبحة التي تصدّرت نشرات الاخبار.
في تلك اللحظة كان مذيع الفضائية يقدم تقريره اليومي الذي يروي تفاصيل الانتحار الذاتي في موت جماعي ، بسبب انشطار الوعي الوطني القومي ، وغياب الهوية العربية او انكارها ، والانشغال في تدمير وهدم ما تبقى من اطلال المدن والارياف ، واغتيال الحياة ، في اكثر من بلد عربي ، تحت عناوين ومبررات وشعارات مستوردة من منابع التخطيط الشيطاني.
امام هذا المشهد اتساءل: هل بقي في المخيلة السوداء ما هو اسوأ ، وهل بقي في مخازن المتطرفين الحاقدين من السيوف وادوات القتل ما يكفي لاكمال المهمة ؟
اذا تجاوزنا دور الادوات العربية والأقليمية التائهة ، يتبين لنا الهدف الغربي بوضوح ، وتنكشف النوايا والمقاصد الهادفة الى اخراج العرب من التاريخ ، وشطب ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا ، ومصادرة حصتنا في الجغرافيا لأخراجنا من الخريطة الدولية ، وبالتالي شطب هوية الأمة العربية ، واستبدالها بهويات الطوائف والاعراق ، وتفكيك الدول الى شظايا ، ضمن مشروع التقسيم الجديد للمنطقة ، او بعث ما يسمى بالشرق الاوسط الجديد ، وفي قلبه اسرائيل.
في غياب الوعي ، أو انشطاره ، لا يدرك المتورطون في هذه الحروب ، أن القوي يخسر والضعيف يخسر ، فهي الحرب التي لا غالب فيها ولا من ينتصر ، وهي السراب والخراب ، لأن كل الخيارات فيها تقود الى الهزائم ، والى نتيجة حتمية محددة مقيدة ، هي الهزيمة في الحرب والهزيمة في السلام ، لأن الهدف قد تحقق ، باستنزاف قوتنا العسكرية ، وتدمير قدراتنا الاقتصادية ، ونهب ثرواتنا العربية ، وتحويل كل الدول العربية الى دول مديونة تعيش خارج العصر ، وغير قادرة على بناء مستقبلها الفضل ، او حتى التقدم نحوه.
ولكن ليس بالضرورة أن ينجح المتورطون ، أو من خطط لهذه الكارثة ، في تحقيق أهدافهم كاملة ، لأن حسابات الحقل قد لا تتطابق مع حسابات البيدر احيانا ، خصوصا في ظل التطورات المتسارعة التي تسببت في وقوع انقلابات في التحالفات ، وهي سلسلة من المتغيرات التي لم تتوقف بعد ، خصوصا أن تداعيات وارتدادات هذه الحروب ألقت بظلالها على ساحات دولية ، ودفعت بدول كبرى الى الانتقال لاحتلال خنادق المعركة.
والحقيقة التي لا يمكن تجاوزها هي أن روسيا بدخولها الى المواجهة ، واندفاعها الى عين العاصفة ، رغم المخاطر والتحديات ، نجحت في تغيير قواعد الحرب ، ولا نقول قواعد اللعبة ، لأن عملية سفك الدم العربي بهذا القدر ليست لعبة. هذا التطور نقل الحرب السورية من نطاقها المحلي والاقليمي الى مجالها الدولي ، بحيث اصبحت قضية دولية ، والاختلاف حولها وعليها ، أثار موجة من التوتر الدولي ، أو الانقسام الدولي ، والتراشق الاعلامي والتلويح بالتصعيد ، بين واشنطن وحلفائها من جهة ، وبين موسكو ومحورها من الجهة الخرى.
في قلب هذا المشهد العاصف المقلق ، الذي لا يبشر بحل قريب ، ولا يبعث على التفاؤل ، ولا حتى التشاؤل ، هناك من يعتقد أن الازمة السورية قد قطعت مرحلة الخطر ، وأن التوتر الأميركي – الروسي سيبقى في حدود « العاصفة في فنجان « طوال المرحلة الانتقالية الأميركية ، بانتظار التغيير في البيت الأبيض. ولكن بالمقابل هناك من يعتقد ان تحرير الموصل ، يمثل مرحلة الخطر الحقيقي على سوريا ، لأن هذه المعركة التي تتواجد فيها قوات واسلحة اميركية ستكون البوابة التي ستدخل منها واشنطن الى ساحة المواجهة في سوريا ، وان كان في نطاق محدود.. كذلك نرى أن معركة الموصل ، التي تخوضها اميركا بحماس ، هدفه فتح الحدود امام تنظيم داعش للانتقال من العراق الى سوريا برعاية وحماية أميركية بهدف احداث تغيير في المعادلة على الارض ، خصوصا في منطقة دير الزور وادلب وحلب ، وبعدها تطلب واشنطن «هدنة انسانية « مرة اخرى... والبقية تاتي في العهد الأميركي الجديد.
الحرب في بر العرب.. غياب الهوية أو إنكارها !
12:00 13-10-2016
آخر تعديل :
الخميس