لم تعد الاغنية العربية مسترادا لشعراء الفصيحة، ولم تعد تُسمعُ قصائد من عيون الشعر تُغنّى، مثل «اراك عصي الدمع»، و»سلوا قلبي» و»الاطلال» و»وُلِدَ الهدى» و»يا سماء الشرق» و»فلسطين» وهي على التوالي لأبي فراس الحمداني، واحمد شوقي وابراهيم ناجي ولأحمد شوقي ثانية ولمحمود حسن اسماعيل ولعلي محمود طه، وصار الطابع المحلي للاغنية هو السائد، فحُرمنا بذلك بعض تجليات العربية وجماليات التعبير فيها. وحُرِمنا الى ذلك جملةً من القيم والمعاني التي تضمنتها هذه القصائد ومثيلاتها، وهي قيم ومعان يجتمع عليها العرب جميعا وتشكل وجدانهم المشترك وتحقق لهم وحدة الشعور وتمهد لوحدتهم السياسية تمهيداً.
لم نعد نسمع ما يرقى بذائقتنا الادبية وحسنا الجمالي، واستغرقتنا لهجاتنا المحلية دون آفاق العربية الشريفة المتراحبة بما يزكي الانفس والعقول، بل ان فينا من يرى في هذا التضييق ميزة، او اصالة، او وطنية يرفع عقيرته الى اقصاها بها.
ثم اننا، الى ذلك كله، اخذنا بتقليد آخر «صرعات» الغربيين في الغناء، كل على طريقته، حتى صارت هذه المضاهأة المخزية هي السمة المشتركة التي نرجع اليها، وهي مسألة لا نأخذها على علاتها ولا نغفل عن اسبابها ودواعيها ولا عن ما تتأدى اليه من عقابيل.
ثم ان هذا التردي مرفود ممكّن، ولعله ان يكون بعضا من خطة شاملة تعكف عليها ارادات خبيثة لا نعلم من علمها شيئا وان كنا نرى الى ما تهدف اليه. فان كان ثمة غيرةٌ على هذه الامة العربية فيجب ان يترجم ذلك الى عمل ملموس والى مواجهة ترد الامر الى مساره الصحيح وتمنع اجيالنا ان تجتالهم صيحات التغريب الارعن، وان يكونوا مجرد صور شائهة لأسوأ سوءات الأُمم والشعوب.
لقد صار الاغراق في اللهجات المحلية والذهول الذاهل خلف الصرعات الغربية وجهين لعملة واحدة، وليس ينجو بنا من هذه المصيبة الا ما يحقق لنا عافية الروح من عربيتنا الفصيحة اجمل لغات الارض واحفلها بالمعاني الحسان، والا ان يقوم فينا من يأخذ بناصرها في شتى حقول الآداب والفنون، ومن يدفع الاذى عن وجهها الكريم وعن مقامها الشريف.
أغانينا والعربية الشريفة
12:00 12-10-2016
آخر تعديل :
الأربعاء