كتاب

احترام الألم ونشدان السلام

احترام الالم الانساني والسعي في دفع الشقاء عن البشر هو المهمة الاولى لأية فلسفة تريد أن تكون ذات اثر محمود في الارض.

والمهمة نفسها منوطة بالعلم, وبالدين, وبالسياسة, وبكل فاعلية ذات قيمة في حيوات الشعوب.

فاذا ما توفر الفلاسفة والعلماء والمؤمنون والسياسيون على ما يجعل الناس اقل اوجاعاً وبؤساً, وكان ذلك هو المقصد الأسنى لهم, وكانت المعرفة والقوة عندهم مسخّرتين لهذا الهدف النبيل, فإن بنا أن نأمل بعالم يمكن ان يطاق, وأن يكون للوجود فيه معنى معقول أو مقبول.

من اجل ذلك انتهى كثير من الفلاسفة والعلماء الى ان يكونوا دعاة سلام, وكذلك هو الامر مع ادباء من حجم دستويفسكي وهرمان هسّة ورومان رولان وتولستوي, في رواياتهم–على التوالي–الاخوة كارامازون, ولعبة الكريات الزجاجية, وحب وحرب, والحرب والسلام.

وقد سبق هؤلاء جميعاً الى دعوة السلام الشاعر العربي زهير بن أبي سلمى في معلّقته الشهيرة التي يبين فيها فضل السلام على الحرب, ويذكّر بني قومه بعواقب الحروب وما تجرّه من ويلات:

وما الحرب الا ما علمتم وذقتم

وما هو عنها بالحديث المرجّم

وعلى نحو ما كان من «ابى سلمى» من تشديد النكير على الحرب ومن دعوة الى السلام كان «برتراند راسل» مؤلف «تاريخ الفلسفة الغربية» و»حكمة العرب» من اكبر المعترضين على الأسلحة الذرية وأسلحة الدمار الشامل, إذ انتهت به حكمته الى موقف شبيه بموقف شاعرنا أبي سلمى على الرغم من المسافة الزمنية الهائلة (15 قرناً) بينهما..

ولعلنا ان نمسك هنا بمعنى دقيق ذي صلة بموضوعنا, وهو أن العقول الكبيرة والكفايات المجرّدة وألوان المهارات وضروب العبقريات, كل اولئك قد يكون وبالاً على الانسانية ما لم يكن مشفوعاً بقلوب كبيرة رحيمة وأنفس رحيبة رهيفة تنشد السلام وتسعى سعيها في تحقيق شروطه, وأول ذلك العدل والرحمة ونزاهة الضمير.

السلام اذن هو الغاية المنشودة للانسان في حياته وبعد مماته. والله سبحانه هو السلام المؤمن المهيمن الغفور الرحيم. ومن ينظر في صلاة المسلم يرى كم مرة تتردد كلمة «السلام» فيها وفيما يليها من اذكار, ولعل حكماء الامم جميعاً اذا كان لهم أن يتفقوا على قضية, فإنما هي قضية السلام. نقول هنا ونحن موقنون بأن للسلام شروطه التي لا يتم الا بها واصوله التي لا يستقر الا عليها, وكل ذلك مما تغمض فيه وتتغافل عنه هذه الفوضى القاتلة المسماة «بالنظام العالمي», وما ثم الا التظالم والتناحر والذرائعية, ظلمات بعضها فوق بعض, والله بصير بالعباد.