لبغدادَ ضُحاهَا. وللبصرةِ نهاراتُها. وأنتَ للغامضِ المُقبلِ..
لكنّهُ يصعبُ أن يكون انتصاراً يا سيدي(!). أعرفُ. وأعرفُ أيضاً، أنّ رحيلَ الغُزاةِ، على نحوٍ كهذا، هو أوّلُ الإجهاضِ لِفحولةِ كلماتٍ استباحتنا لأعوامٍ عديدة. فحولةٌ سَوّغتْ جحيمَ الغزوِ على أنّهُ نعيمٌ.
ولكن مهلاً يا صاحبي..، أينَ بغدادُ التي تتخفّى؟! بل أينَ بغدادُ التي تختفي؟ كم عراق يلزم، كي نستعيد ضُحاها؟ بل أين العراق، الذي اختفى في لغة الساسة الماكرين، فما عادَ حبيباً، كما اعتادوا على دَسّها، في الكلامِ، كلازمة في مفرداتهم؟!.
كيف ستُعيدُ للبصرةِ نهارِاتها؟ فالسيّد التكساسيُّ يحطُّ على بحيرة الثرثارِ، قبل أن تكملَ أفعى الغزو السكسونيّ استدارتها على خاصرةِ البصرة؟.
ما همَّ. فقد افلتوا في العراق شياطينَه، حين أخفوه. ونثرت عليهم بغدادُ صندوقَ شرورِ «باندورا..» الإغريقي، حين تخفّوا بها.
هي الرغبةُ العارمةُ، والثمنُ الفادحُ. أما الوطنُ الرافديُّ، فما يزال يصرُّ على التزيّن بأناقة العصرِ، رغم كلّ هذا الخراب. والشرورُ أعادتهُ إلى أوّلِ الجماعةِ البشريةِ. فهذا، يا سيدي، صوتٌ بصريٌّ يستعيدُ نشيدَ الخيلِ مِن أوّلهِ، ونحنُ في زمنِ العولمةِ. ألا تسمعهُ يصرخُ في «عشايرِ سعود..»، وفي «حُكّامِ المُدنِ..»، وفي «الزُلمِ والبارودِ..»، وفي «عيونِ الذئابِ والنومِ..» ؟
إهدأ يا صاحبي. واسمع صدى الاغنياتِ: هذا شرق يصعبُ أن يخونَ نفسهُ. فالمشهدُ، برغمِ فداحتهِ، انتهاكٌ لفائضِ قوةٍ ولجبروتِها معاً. هَتْكٌ لوقاحةِ قوةٍ بوسائلَ بدائيةٍ. إنتصارٌ بدائيٌّ، لا يرغبُ في الإبهار. رخاءٌ مطمئنٌ، امتطى، بخيالٍ مضافٍ، قوافلَ حريرِ الشرقِ، فتعثّرَ على ظَهرِ أوّلِ سنامٍ.
إهدأ يا صاحبي. وتعلّم مِن عجوزٍ هنديةٍ حمراءَ، اسمها «عيونُ النارِ..»، تنبّأتْ لقبيلَتها، وفي زمنِ هزيمةِ قومِها، ورَوت لحفيدها، بأنّه سيأتي زمنٌ، تؤدّي فيهِ شراهةُ الرجلِ الأبيضِ إلى استنفادِ مواردِ الكونِ. ولكن، وقبل فوات الأوانِ، ستعودُ الروحُ العظيمةُ للهنودِ الحُمر، لتبعثَ الشجعانَ، وتُعلّم َالبيضَ احترامُ الأرضِ. وهؤلاءِ الهنود العائدون سيُعرفونَ بمحاربي قوسِ قزحٍ . أسطورةٌ استعارتها منظمة السلام الأخضر العالمية شعاراً لها..!؟
أما قوس قزح، فهي أسطورة أخرى للهنود الحمر. فحين ضاقت الأرض، وتعرّضت إلى جفاف شديد، وجفّت فيه البحيرات والأنهار، وذبلت الأشجار والزهور، ظهر لزعيم القبيلة ثعبانٌ بحراشف خشنة. وطلب منه أن يقوم بقذفه إلى السماء عاليا، كي يتمكّن من كشط بعض الماء والثلج المخزون هناك. أما زعيم القبيلة، فقال: إنّ هذا العمل ليس من أعمال الثعابين، ولكنّه قذف بالثعبان عاليا نحو السماء، أمام اصراره. وحين انطلق الثعبان من يد الزعيم، تمدّد جسمه، وتقوّس ظهره الى الأعلى، فتغيّر جلده لتغيّر حجمه، فأخذ جلدُ الحيّة بالتبدّل، من أحمر إلى أصفر إلى إخضر، ونزلت الأمطار. ما جعل الحيّات تخرج من جحورها، كلما نزل المطر، في الأيام المشمسة، إحتفالاً بذكرى الحياة والمطر وقوس قزح.
بالخيانات المضلّلة، يستعيدُ الشرقُ طريقَ حريره. وبعيونِ النارِ يستعيدُ الشرقُ قوّةَ ضعفه. أما الغُزاة، بقوّتهم الغاشمة، فلا يرحلون بمحض إرادتهم. وحين يُخاتلون، أو تتبدّلُ تسمياتهم للوقائع عُنوةً، فذلكَ يعني مكراً جديداً، أو تواطؤاً،للإحتيال على ألوانِ قوس الطبيعة الشفّاف..!؟ فطوبى لبصيرةِ عيونِ النارِ وأسطورتها..
[email protected]