«لا تجتمع أمتي على خطأ» حديث نبوي شريف
«الرأي العام الهاجع غير المعبر عنه ليس برأي عام» هذا ما يقوله الأكاديمي والدبلوماسي الأردني المعروف د. موسى الكيلاني في كتابه «الإعلام السياسي والإسلام». مؤسسة الرسالة – بيروت
في كتابه تعريف علمي بِـ «الرأي العام».
«كيفية صناعته ومن ثم السيطرة عليه».
هو مجموعة محاضرات ألقاها المؤلف ذات مرّة على طلبة الدراسات العليا في الجامعة الأردنية في مادة الإعلام والرأي العام ومن ثم تم جمعها في كتاب.
تقرأ هذا الكتاب فتقع على رؤية موضوعية في تناول مفهوم «الرأي العام»، وقدرة «الإقناع السياسي» على التأثير فيه، وما السّر في نجاحه إذا ما نجح، وهنا نراه يعتمد النهج القرآني الذي بِـ «سحر الكلمة» استطاع أن يفرض حضوره إسلاميّاً وعربيّاً وعالميّاً وأن يشكّل «رأياً عاماً».
دون إكراه، وقف في وجه الظلم والاستبداد. كان لهذا النهج «تأثير فكري وروحي» خاطب العقل والقلب معاً محدّثاً «ثورة في الإنسان العربي» المرجع السابق ص14.
يسوق د. موسى الكيلاني في دراسته الرصينة هذه العوامل التي ارتكز عليها «الإقناع السياسي».
وفي مقدمة هذه المرتكزات كان «الصدق في تقرير الحقائق وثانيها في عدم الانفعال في مناقشة الأحداث، وثالثها الصدق والموضوعية والارتباط في الملكيّة العقائدية السياسية». ص15
يحدثنا المؤلف عن أن «القرآن الكريم» قد سبق بقرون زمنية طويلة كل المكشوفات الجديدة التي أنجزتها دراسات علم النفس في طبيعة «الإقناع السياسي وكيف يتكون التعقيد في تكوين الآراء، في هذا السياق وتأكيداً لوجهة نظره هذه أرجعنا إلى نص الآية في سورة الفتح: «ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيماً».
فقد نزلت هذه الآية الكريمة بعد صلح الحديبية «عندما كانت المعنويات شبه محطمة والروح القتالية بين المسلمين شبه مشلولة والرغبة في الانصياع لأوامر القيادة العليا مزعزعة، فجاء تقيد التلاحم بين القائد والجماعة ليتحقق بعد أقل من عامين النصر الأكبر في الفتح الكبير في مكة». ص 17
ما معنى هذا ؟ معناه أن هذه الآية الكريمة نجحت في تكوين رؤية جديدة بين المسلمين بعد صلح الحديبية رفعت المعنويات وأعادت لحمة التلاحم».
ويخلص الكاتب إلى «أن النجاح في توجيه الرأي العام والسيطرة عليه داخلياً ومحلياً يكتسب أولوية وأهمية في تحطيم معنويات الرأي العام المضاد». ص19
وهنا، وأنا أذرع صفحات هذا الكتاب لفت انتباهي اعتماد المؤلف على الدراسات التي قام بها عدد من علماء الرأي العام مشيراً «إلى أن عالمنا الحالي سيعيش لأحقاب قادمة في حالة من الحرب الموسّعة أو المصغرة سواء بالمباشرة أو بالنيابة عن الدول الكبرى، لأن الدولة القومية والدول العالمية ما زالت تتحكم بها رغبة دفينة منذ أيام الاستعمار القديم في السيطرة على العالم الثالث اقتصادياً لتسويق المنتجات الصناعية واستغلال الثروات الطبيعية» ص19.
أليس هذا ما يحدث حالياً ؟ أم تصدق في هذه الدراسات بـ في كتابه يُبرز د. موسى الكيلاني الكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة التي تدعو المسلمين أن يكونوا إيجابيين في مسلكهم السياسي ومسلكهم كمواطنين. إنها «الإيجابية» التي حلها الإسلام للبشرية.
«من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه». حديث شريف
أليست هذه المفردات الإسلامية الممتلئة التي تفوّه بها الرسول الأعظم محمد صلهم مبدأً من مبادئ الرأي العام الحديث الذي يطالب المسلم «أن يكون من الإيجابيين لا من الهاجعين وأن يكون ذا رأي ولا يكون مقاداً ؟
وللتدليل على اهتمام الإسلام منذ مطالع نوره بِـ «الرأي العام» والتجاوب معه يَورد د. الكيلاني هذه الواقعة التي تبرز احتفاء خلفاء المسلمين الأوائل بِـ «الرأي العام» :
«شُكي إلى أمير المؤمنين عمر بن الطاب رضي الله عنه أن الصحابي الجليل عمار بن ياسر وهو من العشرة المبشرين بالجنة، ولاقى من التعذيب ما لاقى عند إسلامه. فاستقدمه عمر بن الخطاب مع وفد يمثل أهل الرأي في تلك البلد، ثم سأل الوفد عن مبعث ألمهم من الحاكم عمار بن ياسر رضي الله عنه، فقال بعضهم: إنه «ليس ذا كفاية ولا دراية ولا يفقه أصول الإمارة»، فاختبره عمر، ولم يطمئن إلى إجابته فعزله تجاوباً مع الرأي العام، وهذا دليل آخر على ما استلهمه الخليفة المؤمن العادل عمر بن الخطاب من الإهتمام بالرأي العام والتجاوب معه». المرجع السابق ص42
أتساءَل هنا: هل يحظى «الرأي العام» اليوم في مجتمعاتنا العربية والإسلامية بمثل هذا الاهتمام» ؟ ألا يتم تهميشه في كثير من أرجائنا العربية والإسلامية ؟
على امتداد كتابه «الإعلام السياسي والإسلام» احتكم المؤلف إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة التي تدل دلالات واضحة «على مدى وجوب احترام الرأي العام، وتقديره». وإذا كان الإسلام قد دعا إلى الصدق واحترام الحقائق في خطابه الإعلامي، فإنه قد حذّرَ من «الإشاعة» التي تؤدي إلى «تفسيخ المجتمع» «يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتُم نادمين».
«لقد دعا الإسلام المسلم أن يرقى بنفسه عن هذا الدّرك السيء من اللجوء إلى الإشاعة الكاذبة لتحطيم وتفسيخ المجتمع».
«ونظراً لكون الرأي العام عرضة للحرب النفسية من الإعلام المعادي، فقد أهاب القرآن الكريم بأن يكون للمسلم درعٌ آخر غير درعه». ص54
وإذا كان «الرأي العام هو أساس الإعلام فقهاً ولاهوتاً»، فمن الضروري أن يحترم القيم الأخلاقية والإنسانية فلا يُضلّل أو يُسطّح وعي الجماهير.
وبالرغم من أنه لم يرد في القرآن الكريم ذكر لكلمة «الرأي العام إلا أن الإسلام كدين ، والفكر الإسلامي باعتباره فكراً عالمياً قد أعطى مفهوم الرأي العام مدلولاً مهماً كبيراً، فشرائع الإسلام تذكر بإطناب وبدلالات واضحة ما يجب على الحاكم والمسؤول أن يستجيب له في موضوع الرأي العام. «فالإجماع في الشريعة الإسلامية هو من أدلة الأحكام وله مكانة عظيمة وهو تعريفاً الرأي العام لذوي الرأي والفقه في الدين». ص40
وبعد، إن هذا الكتاب ثريُّ بمفرداته، إيجابي في خلاصاته، لا يلقى صاحبه الكلام على عواهنه إذا ما استنتج خُلاصة هنا وهناك وهو يتحدث عن الإعلام السياسي والإسلام». لا تشتمّ تَعصّباً وأنت تطالعه. يعزّز ما يقوله بآيات قرآنية وأحاديث نبوية شريفة تبدّد كلّ الضبابيات التي قد تُساق من أعداء الإسلام لتشويه صورته عالمياً.
د. موسى الكيلاني هو بحق مفكر وباحث مستنير يقدّم في كتابه هذا صورة حقيقية عن «الرأي العام» في الإسلام مرتكزاته وقيمه ومصداقيته مقارنةً بالرأي الآخر المضاد الذي يعتمد للتضليل والكذب. كتابه مرجع إسلامي يثري كل مكتبة إسلامية وعربية تقتنيه. يُغري كل إنسان بقراءاته.