«الثقافة البرجوازية» في مجتمعاتنا العربية وبخاصة في المدن هي المسؤولة عن العادات الاستهلاكية غير المستحبة. عن مظاهر البذخ والإسراف التي يتباهى بها الكثيرون، ومنهم – مع الأسف فقراء أو شبه فقراء أصرّوا أن يقلّدوا الأغنياء! الثقافة البرجوازية – وكما وصفها المفكر الراحل هشام شرابي «تحرص الثقافة البرجوازية الإقطاعية في مجتمعنا العربي على تغطية كل مظاهر العجز. «فالاتكالية والعجز والتهرب تجسّم شعوراً برجوازياً».
د. هشام شرابي: «مقدمات لدراسة المجتمع العربي».
حين كنت شاباً صغيراً كنت أسمع عبارة «أنت إنسان برجوازي». يقولها صديق لصديقه إذا لاحظ عليه أناقة مفرطة في اختيار الملابس الغالية الثمن، أو إذا أولمَ وليمةً فخمة فيها من الإسراف ما فيها !
كلمة «أنت برجوازي» كانت تتردّد كثيراً على الألسنة في الخمسينات والستينات من القرن الماضي وهي مرحلة بروز الأحزاب العربية الراديكالية التي كانت تنادي بقيم أخرى مضادة للقيم البرجوازية !
وفي تصوّري أن «ثقافة العيب» و»ثقافة الاستهلاك» التي نعاني منها اليوم ناتجة أو متفرعة من الثقافة البرجوازية.
خذ مثلاً إحجام الكثيرين من أبنائنا عن ممارسة العمل اليدوي أو بعض المهن التي يرون خطأً أنها لا تناسب مقامهم الاجتماعي، أو أنها تنتقص من كرامتهم. أليست هذه نتيجة التربية البرجوازية التي نشأوا عليها في مجتمعاتهم. «الشعور بالمهانة» الذي يهيمن على أمثال هؤلاء الأبناء إذا مارسوا بعض المهن اليدوية والحرفية هو شعور أوجدته التربية البرجوازية.
كذلك الإنفاق الباذخ على الطعام والشراب واقتناء السلع غير الضرورية تمليه عادة «العقلية البرجوازية».
كم من «السلع» يتهافت على شرائها لا الأغنياء فحسب بل من هم متوسطوا الحال أو حتى فقراء مجاراة لهذا الشعور البرجوازي المُعدي !
يُروى عن
الفيلسوف اليوناني القديم سقراط أنه وبسخرية قال مرّة وهو يجول في الأسواق: «ما أكثر السلع التي لستُ بحاجة إليها» !.
هذا الوعي الإنساني الرشيد الذي أدركه قبل آلاف السنين سقراط، ما زال الكثيرون من المواطنين العرب يتجاهلونه.
قد يستدين الواحد منهم ليجاري «موضة» العصر!
هذه عادات استهلاكية ينبغي أن تُضبط !
«الثقافة البرجوازية» في مجتمعاتنا العربية أضرّت بالكثيرين من شبابنا.
أذكر مرّةً حين كنت معلماً في بلد خليجي أني أوقفت سيارة «بكب» أو «وانيت» كما يقال في الخليج لتقلّني إلى المدرسة التي أعمل فيها. وكان بصحبتي زميل آخر من بلد عربي شقيق. المفاجأة أن هذا الزميل رفض أن يركب بحجة أن ذلك يحطّ من منزلته الاجتماعية وبخاصة إذا ما رآه طلاب المدرسة !.
أليس هذا الشعور بالنقص سببه الثقافة البرجوازية المستمدة من الأسرة والمجتمع العربيين!
خُذ أيضاً «الاتكاليّة» التي هي صفة الكثيرين من الشباب العرب أو «أسلوب التبرير» الذي يلجأ إليه هؤلاء الشباب، أليس سببها مثل هذه الثقافة غير اللائقة!
«تبرير الذّات – وإن كان على خطأ – بات وسيلة للتهرّب من المسؤولية وإلقائها على الآخرين».
«التبرير المناقض للأقوال» – وكما يراه شرابي- هو من مساوئ هذه الثقافة البرجوازية.
هذا على مستوى الإنسان العادي، فما بالك ببعض المثقفين العرب الذين انجذبوا بتطرف إلى العادات الغربية التي لا تتفق وقيمهم القومية والوطنية. أمثال هؤلاء لن يساهموا في بناء مجتمعاتهم وإن نالوا أعلى الدرجات العلمية، لأنهم يشعرون بـِ «عقدة نقص» تجاه لغتهم العربية وتراثهم الحضاري.
سأختار واحداً من هؤلاء هو البرفسور شارل مالك والذي صار بعد ذلك وزيراً للخارجية اللبنانية.
كان يعتقد أن التراث الغربي القائم على الفكر اليوناني والمسيحي هو أعلى ما توصلت إليه الحضارة الإنسانية وأن الحضارات الأخرى، بما فيها الحضارة العربية والإسلامية حضارات متخلّفة، ودون مستوى الحضارة الغربية».
هشام شرابي: «صورة الماضي» ص175.
وغير شارل مالك هناك كثيرون من المثقفين العرب تم غسل أدمغتهم حين استقرّوا في أمريكا وأوروبا، فباتوا أبواقاً للغرب حتى على المستوى السياسي !.
هذه هي العقلية البرجوازية التي لا يُرتجى منها أي خير للبنية العربية، أو لتغيير الواقع العربي المريض ! العقلية البرجوازية تداعياتها السلبية على منظومة الأخلاق كبيرة.
فهي مستعدة دوماً أن تبرَّر «الفساد» والفقر الاقتصادي والجهل والمرض. والمفارقة- وكما لاحظ المفكر شرابي – وتبرّره أخلاقياً ودينياً».
«فتبدو العلاقات الاجتماعية والاقتصادية السائدة، كعناصر مألوفة، ينبغي الرضوخ لها».
أخلص إلى القول: إن هذه الثقافة شرّ خالص. تغتال «الإدراك الذاتي» تغتال «المعرفة النقدية والوعي الاجتماعي» عدوي هذه «الثقافة» نواجهها اليوم – وكما أسلفت- على مستوى السلوك اليومي غير المبرّر أخلاقياً واجتماعياً.
«التهرب والعجز» سمتان من سمات هذه الثقافة إنها هي المسؤولة عن أنماط السلوك غير المستحبة في مجتمعاتنا.
هي المسؤولة – كما أرى – عن «البيروقراطية» التي نشاهدها لدى كثير من المسؤولين والساسة العرب الذين لا يحاولون نقد أنفسهم نقداً ذاتياً، يعيدهم إلى السلوك السّوي، هم يُطلّون عَلى غيرهم من عباد الله من أبراجهم العاجية.
طموحاتهم البرجوازية أفقدتهم حسّهم الإنساني. أفقدتهم أغلى ما يمتلكه إنسان!
الثقافة البرجوازية التي اخترقت مناحي حياتنا المختلفة أفقدتنا القدرة على تمييز «الصواب».
بات الكثيرون منا يعانون تناقضاً واضحاً بين النظرية والتطبيق. خرجوا بمواقفهم هذه عن خط المعرفة العلمية. أخفقوا في مواجهة الواقع. أهملوا «معرفة الذات» «الشرط الأساسي للتغير الذاتي في الفرد والمجتمع».
الثقافة البرجوازية كرّست «نزعة المسايرة والتجريد اللاعلمي» وفق كلمات هشام شرابي.
هذه «النزعة الفردية» التي نلقاها في مجتمعاتنا العربية والإسلامية هي نتيجة «ظروف موضوعية» يفرزها واقعنا العربي المتناقض مع نفسه.
هذه الظروف هي نفسها التي ثبّطت وأحبطت الإنسان العربي الذي استسلم – وإن على كُرهْ منه – للأوضاع السياسية والاجتماعية السائدة في مجتمعه.
أخيراً أقول، «الثقافة البرجوازية» هي التي أضعفت «الإرادة الذاتية» القادرة على استيعاب «اللحظة التاريخية» والعمل بمقتضاها. دون تفعيل هذه الإرادة الذاتية لن يحدث أي تغير حقيقي في بنية مجتمعاتنا العربية.