المقدمة: يبدو تناول البعد الاستراتيجي في فكر الشريف الحسين بن علي قائد الثورة العربية الكبرى أكثر صعوبة من أية أبعاد أخرى ذات صلة بالثورة، وذلك لعدة أسباب، يتعلق أولها بأدوات التحليل السياسي، وبخاصة في مجال آليات صنع القرار السياسي التي يلعب فيها متخذ القرار دوراً أسياسياً في صنع واتخاذ القرار، حيث تؤثر عليه مؤثرات عديدة من أهمها الدوافع الذاتية والخصائص الشخصية والبيئة النفسية للقائد السياسي والتي تتألف من مجموعة من المكونات الأساسية، وأهمها العقائد السياسية للقائد، ونمط إدراك القائد للمواقف، فالقائد السياسي قد لا يعلن الحرب إذا كانت قوة دولته النسبية أقل من قوة الخصوم، ولكنه قد ، يتخذ قراراً بشن الحرب إذا أدرك أن هناك إهانة دينية أو قومية أساسية تطغى على توازن القوى.
ومن الأسباب أن الحسين بن علي كان قائداً سياسياً لكنه لم يدرس الاستراتيجية دراسة علمية في المعاهد والكليات والجامعات، ولكن كان لديه في الاستراتيجية ركيزتان هما: فطرته وخبرته، فقد اكتسب فطرته الاستراتيجية من بيئته الاجتماعية والسياسية ومن حاضنته الهاشمية، أما خبراته السياسية فقد اكتسبها أثناء وجوده في منفاه في الأستانة (1893-1908)، وقد احتك بكثير من القادة والساسة العرب والأتراك، وبعدد كبير من المفكرين السياسيين، حيث كان عضواً في مجلس المبعوثان، وكان منزله محجاً للساسة والقادة ولأهل الفكر والمثقفين وقادة الرأي وأبناء القبائل والحضر وأهل المدن، فاطّلع على كثير من المجريات السياسية الداخلية والخارجية في تركيا وفي العالم، مما أضاف بُعداً استراتيجياً لنمط تفكيره وإدراكاته السياسية حيث أصبح لديه نسقٌ عقيدي تضمن عقائد مختلفة عن طبيعة العالم السياسية في تلك الفترة، وعن النسق الدولي وطبيعة الأعداء السياسيين والعلاقات بينهم واستراتيجياتهم ، والأساليب والاستراتيجيات المثلى لاختيار الهدف السياسي ، وإمكانية الأخذ بالمخاطر السياسية، بالإضافة لإيمانه بدور القوة العسكرية في تحقيق الأهداف، مما أعطى فكره الاستراتيجي بُعداً سياسياً وعسكرياً مهماً.
وتكتسب هذه الدراسة أهميتها من عدة اعتبارات أهمها: المكانة الدينية والاجتماعية والسياسية التي يتبوأها قائد الثورة العربية الكبرى الشريف الحسين بن علي ، والدور السياسي والعسكري الذي أداه الشريف لتحقيق الهدف الأسمى للثورة ، والظلم وعدم الإنصاف الذي واجهه الشريف من بني جلدته ، والتحديات التي واجهته على الصعيد العربي والعثماني والدولي.
لذا فإن هذه الدراسة تهدف إلى قراءة وبيان الفكر الاستراتيجي السياسي لقائد الثورة العربية الكبرى الشريف الحسين بن علي ، وهنا يمكن التعبير عن مشكلة الدراسة بالسؤال البحثي الآتي: «إلى أي مدى ساهم الفكر الاستراتيجي السياسي للشريف الحسين بن علي قائد الثورة العربية الكبرى في السعي لتوحيد الأمة العربية والإسلامية وتحقيق طموحاتها بالحرية والاستقلال من خلال إعلانه للثورة عام 1916م «؟. وتفترض الإجابة على هذا التساؤل الرئيس البحث في مضامين وسلوكيات الفكر الاستراتيجي السياسي للحسين بن علي ؟.
وقد غطّت هذه الدراسة فترة زمنية تمتد خلال الفترة من (1908-1925)، وهي فترة تولي الشريف الحسين بن علي إمارة مكة ، وإعلان الثورة العربية الكبرى ، حيث حصلت أحداث ومواقف وظروف ومتغيرات كثيرة أثَّرت على فكر الحسين بن علي الاستراتيجي، وألقت بظلالها على الثورة العربية الكبرى ومسيرتها ونتائجها.
أما بالنسبة للمنهج فقد زاوجت هذه الدراسة في منهجيتها بين منهجين من مناهج البحث في العلوم السياسية هما: الأول :المنهج التاريخي ، وذلك لرصد الأحداث التاريخية السياسية والعسكرية ، والثاني: منهج تحليل النصوص لاستقراء فكر الشريف الحسين من معانيها وتركيباتها ومضامينها ، واعتمدت الدراسة على دراسات متنوعة فاقت العشرين مؤلفاً ، تناولت الثورة العربية الكبرى وفكر قائدها من حيث التأريخ للثورة ، وتحليل أحداثها ومجرياتها. وستعالج هذه الدراسة الفكر الاستراتيجي السياسي للشريف الحسين ، ومن ثم ستقدم في النهاية الاستنتاجات والنتائج والتوصيات التي توصلت إليها الدراسة.
الفكر الاستراتيجي السياسي للشريف الحسين بن علي. للحديث عن الفكر السياسي للشريف الحسين بن علي ، ومن خلال منهجية الدراسة لا بد من النظر والتدقيق في النصوص التي صدرت عنه ، وتقرأ الدراسة في العديد منها ما يترجم المرتكزات الاستراتيجية لهذا الفكر ، فالشريف الحسين كان مطّلعاً على كثير من التفاصيل السياسية في الدولة العثمانية ، خاصة أثناء وجوده في الأستانة ( فترة النفي الذهبي ) ، حيث لاحظ مدى هيمنة حزب الاتحاد والترقي على شؤون السلطان ، ولاحظ تدخلات الدول الأجنبية في شؤون الدولة العثمانية الداخلية ، مثلما رأى الفساد والظلم يستشريان في منظومة الحكم بأكملها ، وحينما عُيِّن أميراً لمكة ، وقُبيل سفره لاستلام منصبه في مكة استدعاه السلطان عبدالحميد الثاني واجتمع به ، وتحدث إليه بصراحة من خشيته من العزل أو حتى الإعدام، وشكِّه من أن تعمل قوى الإلحاد ضد الإسلام من خلال الجمعية ( جمعية الاتحاد والترقي ) ، وهو يرى من خلال مركزه الديني والدنيوي أن تركيا تهوي في تلك الفترة ، في مستنقع الإلحاد والتطرف ، وقد وجد الشريف الحسين نفسه–نتيجة إيمانه القوي بالإسلام وبالقيم التقليدية ومن خلال فهمه لدور الحكام–على أرضية مشتركة مع السلطان عبدالحميد.
وساءت الأوضاع إلى الحد الذي انتشر فيه الفساد ودب الضعف في أوصال الدولة التي وصلت إلى حد مرحلة الاحتضار، فكان لا بد لأمير مكة من البحث عن مخارج سياسية وعسكرية واقتصادية تنقذ البلاد العربية من هذا البلاء الذي نخر جسدها، وحالة الضعف التي حلَّت بها، فالأمة العربية كانت في وضع لم تعد فيه تملك زمام نفسها، أو تقرر سياستها ، ومع هذا استمر الشريف الحسين بن علي على وفائه للسلطان العثماني ، إلى أن زادت أمامه التراكمات السياسية الكثيرة ، مما حدا به إلى اتخاذ توجه سياسي يتقاطع مع الاتحاديين ، ولم يتخذ هذه السياسة المناوئه للاتحاديين إلا بعد أن تبلور أمامه عدد من الأسباب لتغيير سياساته تجاه الدولة العثمانية وأهمها:
أ. اطِّلاعه على التدخلات الأجنبية بشؤون الدولة العثمانية حينما كان منفياً في استنبول، وخلال فترة عضويته في مجلس المبعوثان.
ب. اطِّلاعه من كثب على الفساد الذي عمَّ مرافق الدولة العثمانية.
ج. إلغاء الدستور العثماني في عام 1908م ، واستبداله بدستور جديد.
د. خلع السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، وتعيين سلطان مثّل أداة طيعة في قبضة الاتحاديين.
ه. اختلاف الشريف حسين مع الوالي التركي سليمان باشا الذي رفض الائتمار بما يشير فيه الشريف من تعليمات بحجة عدم تلقيه أمراً من الباب العالي بذلك، حيث طلب الوالي من الشريف أن تبقى الوحدات العسكرية النظامية التي وصلت مع أمير مكة تحت إمرته (الوالي التركي) حتى يأتي توضيح من الباب العالي، بخلاف ذلك، وكان الشريف الحسين بن علي يعتبر نفسه ممثلاً للسلطان العثماني وليس أحداً غيره ، استناداً إلى المذكرة التي سلمها له الصدر الأعظم كامل باشا.
و. وكان أبلغ الأسباب الذي غيَّر من معتقداته السياسية تجاه الدولة العثمانية ما شاهده وسمع عنه من أفعال الجيش التركي الشنيعة بالعرب أثناء غزوة عسير، فأغاض مشاعره ما رآه من تمثيل وأفعال فظيعة وقعت من الجيش العثماني بحق العرب، فقال « ليس من خير في هؤلاء للعرب»، فترك «أبها» وعاد إلى الحجاز بالقوات الهاشمية.
البيئة السياسية السائدة في تلك الفترة. إن أهم قرار سياسي أثار حفيظة العرب والشريف الحسين، وأدّى إلى استنكارهم هو إعلان الدولة العثمانية الوقوف إلى جانب ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، مما أثار حفيظة العرب والمسلمين، وحدا بهم إلى التعبير عن عدم رضاهم عن هذا القرار، خاصة وأن تركيا كانت خارجة تواً من الحرب الإيطالية والحرب في البلقان، مما أثَّر عليها معنوياً واقتصادياً.
ولما كان الشريف الحسين أميراً على مكة التي يتوجه إليها العرب والمسلمون، ونظراً لما كان له من صلة مع السلطان العثماني عبدالحميد الثاني ـــــــ والتي شوهها الاتحاديون إلا أنها لم تنقطع بعد ــــــــ أرسل الشريف رسالة «سرية» إلى السلطان «محمد رشاد الخامس» في شهر آب 1914 جاء فيها: « إن الانضمام مع ألمانيا في الحرب ضد الدول الكبرى فرنسا وبريطانيا وروسيا ليس في صالح الدولة العثمانية، ونحن هنا محاطون بالدول العظمى البحرية المعادية، وسنصبح في أحرج المواقف وأخطرها عندما نتحرك، وإن اتكال الدولة العليا في الدفاع على أهل البلاد فهم ليسوا منظمين ولا يملكون السلاح واستحلف جلالتكم بأن لا تدخلوا الحرب».
يعكس مضمون هذه الرسالة فكراً استراتيجياً سياسياً وعسكرياً متميزاً، نظراً للبعدين الآنفين التي انطوت عليهما الرسالة، فهي صادرة عن فكر لديه الإدراك الاستراتيجي العارف ببواطن الأمور من حيث إعداد الأمة للحرب، وتحليل البيئة السياسية والعسكرية السائدتين في تلك الفترة ، فالشريف الحسين بن علي كان يدرك أهمية توازن القوى، فالدول الأوروبية تمتلك القوة العسكرية التي تعتبر الركيزة الأساس لتحقيق الاستراتيجية السياسية والعسكرية، فالانتشار العسكري الأوروبي الواسع الذي كان يحيط بأراضي الدولة العثمانية من مختلف الجهات البرية والبحرية يُحكِم القبضة على مداخل البحار والمحيطات، وهذا الانتشار العسكري سيجعل الدولة العثمانية والولايات العربية في حرج سياسي وعسكري في آن واحد.
كما كان الفكر الاستراتيجي للشريف يدرك مدى ضعف الواقع السياسي والعسكري للدولة العثمانية التي كان يطلق عليها آنذاك «الرجل المريض» فكان في صورة واضحة عن هذا الواقع الذي لا يسعف الدولة العثمانية في تحقيق أية أهداف تصب في صالح بقائها واستمراريتها إذا ما دخلت الحرب إلى جانب دول المحور.
كما كان الشريف يدرك أهمية إعداد الأمة للحرب، والدولة العثمانية لم تقم بشيء من هذا القبيل، فأهل البلاد ليسوا منظمين ولا يملكون السلاح.
استراتيجية الحسين بن علي. في ضوء المعطيات الآنفة الذكر، بدأ الشريف الحسين بن علي يضع استراتيجيته السياسية بعد العودة إلى مكة المكرمة من غزوة عسير، وبخاصة بعد تكشف الأبعاد السياسية لمواقف الاتحاديين اتجاه إمارة مكة، ولِما رآه من بشاعة التصرفات العسكرية تجاه العرب أثناء غزوة عسير، والتي لم تكن متوازنة، وليس لها أي شكل من أشكال الضرورة العسكرية، فكان التعامل إفراطاً في استخدام القوة ، فعاد مغتاظاً من «أبها» على رأس القوة الهاشمية، وبدأ يرسم تصوراً لاستراتيجيته السياسية.
الأهداف السياسية العليا للحسين بن علي. من المتعارف عليه في علم الاستراتيجية بأن القيادة السياسية العليا هي التي تضع الاستراتيجية العليا للبلاد، حيث تقوم بتحديد هدف استراتيجي سياسي أو عدة أهداف استراتيجية سياسية عُليا تمثل مصلحة البلاد العليا، بحيث يحقق هذا الهدف أو هذه الأهداف هذه المصلحة العليا.
وبناءً على ذلك تقرأ الدراسة الأهداف الاستراتيجية السياسية العليا للشريف الحسين بن علي من خلال هذا النص حيث يقول: «إنني أحب قومي وبلادي وديني أكثر من كل شيء في الوجود، وإننا نحارب من أجل غايتين شريفتين هما: حفظ الدين وحرية العرب». ويمكن للدراسة أن تلخص الأهداف السياسية العليا للثورة العربية الكبرى على الشكل الآتي:
أ. الهدف السياسي الأسمى هو حفظ الدين وحرية العرب.
ب. ويمكن للدراسة أن تقرأ عدداً من الأهداف السياسية العليا للشريف الحسين بن علي وكما يأتي :
(1) تحقيق الصلة في تاريخ الأمة وإحياء حضارتها وتراثها.
(2) تحرير الولايات العربية من نير الظلم والاضطهاد التركي.
(3) تحقيق الوحدة والحرية والاستقلال للأمة العربية.
(4) إنشاء الدولة العربية المستقلة.
وسائل استراتيجية الحسين بن علي السياسية. من خلال قراءة البيئة السياسية التي كانت سائدة على الصعد المحلية والإقليمية والدولية في مطلع القرن العشرين وقبيل الحرب العالمية الأولي وقبيل إعلان الثورة العربية الكبرى، ترى الدراسة أن الشريف الحسين بن علي قائد الثورة العربية الكبرى قد انتهج لتنفيذ استراتيجية التي رسمها عدة وسائل أهمها:
أ. بناء قاعدة اجتماعية في مكة وبلاد الشام: والهدف من هذه القاعدة الاجتماعية إسناد قراره السياسي، وقد تمثل ذلك في تمتين وتعزيز العلاقة مع زعماء القبائل العربية في جزيرة العرب ومع أحرار العرب ومفكريهم في بلاد الشام، وكان قد عمل على بناء هذه القاعدة الاجتماعية لسنوات خلت قبل تسلمه منصب إمارة مكة، وعلى فترات زمنية مختلفة منها: حينما كان يعيش في كنف عمه بعد وفاة والده ، ثم طور هذه العلاقات خلال وجوده في المنفى في الأستانة، حيث كان بيته ملتقى للأشراف ولأحرار العرب الذين كانوا يتطلعون للحسين بن علي كشخصية عربية إسلامية، لها مكانتها الدينية والاجتماعية، ويمكنه قيادة الأمة والنهوض بها إلى بر الأمان والاستقلال والاستقرار.
ويتمكن القارئ المتعمق لأحداث وتاريخ الثورة العربية الكبرى أن يستشف ذلك من خلال أكثر من موقف شعبي عكس قوة هذه القاعدة الاجتماعية الشعبية لقائد الثورة العربية الكبرى، ومن هذه المواقف:
(1) الاستقبال الذي جرى للشريف الحسين بن علي حين وصوله إلى ميناء جدة، وكيف كانت السنابك الشراعية تقبل نحو السفينة التي كانت تقل الشريف الحسين، وفيها مئات الرجال من شرفاء وعظماء ومشايخ عربان، وأخذوا يدخلون على الشريف وكلهم دامع العين شوقاً وسروراً ، وقد كان في استقبال الشريف الحسين بن علي بالإضافة للأشراف من ذوي الحسين حوالي عشرين شريفاً يمثلون الأشراف الهاشميين، مما يشكل دعماً سياسياً واجتماعياً للفكر السياسي لدى الشريف، كما استقبله مشايخ قبائل حرب وهذيل، والكثير من علماء الدين يتقدمهم مفتي مكة المكرمة الشيخ عبدالله سراج.
(2) أنواع التمارين على ظهور الخيول التي أظهرها المستقبلون مثنى وجماعات، الذين رسموا صورة من المراسم لا تصح إلا للملوك، مما يعكس متانة هذه القاعدة المجتمعية الشعبية.
(3) توثيق عرى التعامل والتواصل مع القبائل العربية في شرق الأردن من خلال أبنائه الأميرين فيصل وعبدالله، مثل قبائل الحويطات وبني صخر والبلقاوية وبني حسن، بالإضافة للعشائر الأردنية في جنوب ووسط وشمال الأردن.
(4) انضواء معظم القبائل العربية في الجزيرة العربية تحت لواء الثورة العربية الكبرى باستثناء شيوخ آل رشيد الذين كانوا حلفاء للأتراك ، ومن القبائل التي انضمت للشريف الحسين بن علي قبائل حرب وعتيبة وجهينة، وعشائر النمور والوفدان وثمالة والرقعة والحرة وسبيع والبقوم بني الحارث والحوازى والتربة وغيرهم كثيرون.
(5) أما الزعامات العربية الخمس الموجودة في الجزيرة العربية وهم: بن سعود والإدريسي والإمام يحيى وبن رشيد والشيخ مبارك الصباح فكانوا يختلفون من حيث تحالفهم وأهواؤهم.
ب. التواصل مع أحرار العرب ومفكريهم السياسيين. وكان من أهم مواقف الشريف الحسين مع هؤلاء الاستجابة لمطالبهم، فحينما طلب الباب العالي من الشريف حسين بن علي إعلان الجهاد المقدس، وإرسال المتطوعين العرب إلى سوريا، وضع الشريف شروطاً لتنفيذ ذلك ، جاء على رأسها إطلاق سراح المعتقلين السياسيين العرب، ومنح سوريا إدارة مركزية، والاعتراف لشرافة مكة بحقها الموروث منذ زمن السلطان سليم الأول.
كما استجاب الشريف الحسين لنداءات رجال الفكر السياسي والمتنورين من أحرار العرب ، وتفاعل مع البرقيات والرسائل التي كانت ترده من دمشق وبيروت والقدس ، يناشد فيها رجال الدين والوجهاء وشيوخ العشائر الشريف الهاشمي للتدخل لدى السلطان محمد رشاد الخامس للإفراج عن المعتقلين الوطنيين، ورفع القيود الصارمة التي كان يفرضها جمال باشا السفاح على البلاد العربية.
ومن هذا التواصل مع أصحاب الفكر السياسي من العرب في بلاد الشام إرساله بنه الأمير فيصل الذي انخرط في الجمعية العربية الفتاة وأصبح عضواً فيها بعد أن حلف اليمين الدستورية، وأخذ يتباحث مع أعضاء الجمعية، وما هي مطالبهم السياسية، وانتهت المباحثات في حمل رسالة سياسية كبيرة من متنوري العرب يطلبون فيها من الشريف الحسين أن يتزعم ثورة عربية على الأتراك تحقق حلمهم في إنشاء دولتهم العربية المستقلة، وقد حددوا حدودها بموجب الرسالة التي سلمها الأمير فيصل إلى والده، والمتعارف عليها سياسياً في تاريخ الثورة العربية الكبرى بـ «ميثاق دمشق» ، وتعهد ستة من الزعماء الرئيسيين بعد أن أقسموا يمين الولاء بأن يعتبروا الشريف الحسين هو ممثل الشعب العربي، وكتأكيد لهذا العهد أعطى الشيخ بدر الدين الحسيني أكبر علماء دمشق خاتمه إلى الأمير فيصل لكي يسلمه إلى الشريف حسين كرمز لثقة أهل الشام به.
ونتيجة لعدم استجابة الصدر الأعظم للمطالب السياسية للشريف بالعفو عن المعتقلين العرب وإطلاق سراحهم، وقيام جمال باشا السفاح بتنفيذ وجبة إعدامات لهؤلاء الأحرار في دمشق وبيروت في 16 أيار/مايو 1916م، قام الشريف الحسين بن علي بقطع العلاقات مع الباب العالي في الأستانة، وكانت هذه الإعدامات بمثابة الشرارة التي أشعلت نار الثورة العربية الكبرى، حيث وجًّه الشريف الحسين إنذاراً عن طريق الأميرين علي وفيصل إلى جمال باشا السفاح في 9 حزيران 1916م الموافق 8 شعبان 1334ه خلاصته: أنه إذا لم تتم استجابة الباب العالي والصدر الأعظم للمطالب العربية وتنفيذ الشروط التي عرضها لإعلان الجهاد المقدس، فإن العلاقات بين الأمة العربية والأمة التركية ستقطع ، وأمهلا جمال باشا لمدة أربع وعشرين ساعة، وإلا فإن الحرب ستكون قائمة بين العرب والدولة العثمانية، لكن جمال باشا استبد بشكل أكثر شراسة ، مما أدى إلى قيام الثورة العربية الكبرى وتحركها لتنفيذ استراتيجيها السياسية والعسكرية، منطلقة من منطقة «بئر الماشي» على طريق مكة، وتم إعلان الثورة يوم 9 شعبان 1334 هـ الموافق 10 حزيران 1916، حيث بدأ المثقفون العرب الذي نجوا من معتقلات جمال باشا يبثون الروح الوطنية سراً في أوساط الجماهير ويعدون تشكيلات من المقاومة لمساندة الثورة.
وبعد تحرير الحجاز باستثناء المدينة المنورة بحوالي أربعة أشهر ونصف أستقر الرأي السياسي العربي على إعلان الاستقلال، وتمت مبايعة الشريف حسين ملكاً على العرب في الأول من محرم 1335 ه الموافق 29 تشرين أول 1916، وتمت البيعة في المسجد الحرام، وحضرت هذه المبايعة وجوه عربية كثيرة من بلاد الشام، وكانت المبايعة عامة وعلنية ، وكانت الأولى منذ قرون.
ج. الدبلوماسية والمناورة السياسية والتشدد في بعض المواقف. تقرأ الدراسة هذه الوسيلة السياسية للشريف الحسين بن علي من خلال النصوص المتبادلة بين الصدر الأعظم والشريف الحسين بن علي، حيث بعث الشريف برقية إلى الصدر الأعظم رداً على طلبه من الشريف إعلان الجهاد المقدس، وقد قدم الشريف نصحاً للسلطان العثماني، وتقدم ببعض المطالب السياسية واستحلفه بالله بأن لا يدخل هذه الحرب إلى جانب ألمانيا، ولكن جاء الرد من الصدر الأعظم على الشكل الآتي: «إن التحدث في مثل ما بينتموه عن الحرب والعرب ليس من حقوقكم، وإن من بالشام من المجرمين سينالون الجزاء العادل، وإن مابينتموه لا تكون نتيجته بحقكم سارة، وعليه فسوف لا ترون نجلكم فيصل مرة أخرى قبل أن تبعثوا بالمجاهدين إلى الجبهة كما وعدتم، وإذا لم تنفذوا هذا، فالنتيجة بحقكم لا تكون خيراً «.
من خلال قراءة النص تتضح الفضاضة السياسية في التعامل ، وتبرز الفوقية السياسية المصحوبة بالتهديد والوعيد، فلا نيّة للإفراج عن المعتقلين السياسيين باعتبارهم مجرمين سياسيين، واعتبار مطالب الشريف غير محِقة، إضافة إلى التهديد باعتقال مبعوث الشريف الشخصي وهو الأمير فيصل.
لقد طبق الشريف دبلوماسية في التعامل من خلال إبراقه للسلطان العثماني ناصحاً، ومن ثم لجأ للمناورة السياسية ، ورأى بأن يستغل الظرف لتحقيق بعض المطالب السياسية، وحتى لا يستجيب إلى طلب الباب العالي بإعلان الجهاد المقدس، لكن وإزاء الأسلوب التركي في الرد على برقيته، كان لا بد للدبلوماسية أن تأخذ منحنى أشد قوة، حيث جاء في رد الشريف علي الصدر الأعظم ما يأتي: « ليس ما أقوله سوى النصيحة الأخيرة في برقيتي، وبها ضمان انحياز العرب إلى صفوفكم بقلوبهم، أما إبني فيصل فأعتقد إني أراه مرة أخرى، فافعلوا ماشئتم».
وهنا يدرك الصدر الأعظم قوة موقف الشريف وإصراره على موقفه، فيجنح إلى التهدئة، وبعد يومين يرسل برقية يشكر فيها الشريف على إجاباته، وهذا نصها: «بعد التأمل رأينا شكر سيادتكم على أجوبتكم، فإذا بعثتم بالمجاهدين إلى الشام، فقد أشعرنا جمال باشا ليذاكر نجلكم الشريف فيصل بيك فيما يتعلق بالمجرمين السياسيين». وفي هذا المقام يلجأ الشريف إلى المناورة السياسية في رده على برقية الصدر الأعظم بجواب هذا نصه:» إنني ممتن على تلطفكم بالجواب، أما المجاهدون فقد أصرّوا على عدم السفر إلا إذا حضر فيصل ليأخذهم، فإن كانت الرغبة حقيقية، فابعثوا به ليستصحبهم». وتُلاحظ هنا الحصافة السياسية التي تحلى بها الشريف، فقد عمد إلى رمي عصفورين بسهم واحد، حيث عمد إلى حشر سياسة الصدر الأعظم في زاوية ضيقة، فإما أن يوافق على إرسال الأمير فيصل لاصطحاب القوة، وبذلك يضمن سلامة ولده وعودته سالماً إلى مكة، وإما أن يرفض، فيظهر سياسته الحمقاء في التعامل مع الحلفاء، لكن الرد أتى فوراً بالموافقة، وهنا يمكن أن تفسر الموافقة التركية السريعة على موقف الشريف باتجاهين: الأول: بالسذاجة السياسية ، ولا تعتقد الدراسة ذلك ، نظراً إلى ما وصلت إليه السياسة التركية من مستويات آنئذ ، والاتجاه الثاني: ربما كانت الموافقة مناورة سياسية مقابل مناورة الشريف السياسية من أجل الموافقة على إرسال المتطوعين والاستجابة لإعلان الجهاد المقدس ، وقد رد الصدر الأعظم ببرقية هذا نصها: « سيتوجه الشريف فيصل بيك إلى المدينة ليصطحب المجاهدين ويعود بهم إلى الشام، ونرجو أن تسترجعوا نجلكم الشريف علي بيك من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة لعدم انسجامه مع المحافظ» ، وقد رد الشريف بالبرقية الآتية التي لا تخلو أيضاً من المناورة السياسية: «عند وصول الشريف فيصل بيك سيترك الشريف علي بيك المدينة المنورة «،.
وفي الثامن من شعبان 1334ه الموافق 9 حزيران 1916م، وبعد وصول الأمير فيصل إلى المدينة، وجّه الشريف الحسين بن علي بوساطة ولديه الأميرين علي وفيصل إنذاراً إلى جمال باشا، وأمهلاه 24 ساعة للرد على مطالب الشريف حسين، وإلا ستكون حالة الحرب قائمة بين الأمتين العربية والتركية».
ولمَّا لم يأت الرد خلال المهلة المحددة، وبعد مضي عدة ساعات على انتهاء المهلة كان المتطوعون يهاجمون الخط الحديدي بين الشام وبين المدينة ويقلعونه ، بدلاً من استصحاب الأمير فيصل لهم إلى بلاد الشام، وابتدأت الأمة العربية تتحمل مسؤولياتها بنفسها، وتسعى لانتزاع حريتها واستقلالها بسلاحها وجهاد أبنائها.
د. الاستناد إلى وحدة العرب. وعدم التفريق بين الراغبين في الانضواء تحت لواء الثورة من حيث الجنس أو الدين أو العرق أو الطائفة، وكانت الاستراتيجية التي استند إليها الشريف الحسين تقوم على أن الانخراط في صفوف الثورة يعتبر حقاً لأي عربي كائناً من كان ، بغض النظر عن دينه وتوجهه وميله وطائفته، فالشرط الوحيد هو أن يضع الراغب مصلحة الأمة العربية هي العليا، ونقرأ هذا في قول الشريف الحسين بن علي: «إنها ثورة عربية يدخلها العربي كائناً من كان شريطة أن يضع مصلحة الأمة هي العليا».
ه. إتباع سياسة التحالف. في ضوء الوضع السياسي المترهل للدولة العثمانية والتدخلات الأجنبية في الشؤون السياسية الداخلية للعثمانيين، فكّر الحسين بن علي ملياً في هذه الأحوال والظروف التي كانت تؤثر على العرب على الصعد المحلية والإقليمية والدولية، وفي ضوء الدعوات التي وُجِّهت للشريف الحسين لإنقاذ الأمة العربية مما هي فيه، رأى أنه لا بد من البحث عن المصلحة العربية العليا، وإيجاد السبل لحمايتها وتحرير أراضيها وإنسانها.
وفي هذا الخضم من الأحداث والمواقف، قام الشريف الحسين بن علي بتحليل لهذه الأوضاع السياسية المتزامنة مع ضعف الإمكانات العثمانية في مواجهة الصراع السياسي والعسكري، وجد أن ميزان القوى السياسي والعسكري يميل إلى صالح دول الحلفاء ضد دول المحور، فبريطانيا كانت تنشر قواتها في المحيط الهندي وفي البحر الأحمر وتحيط بالجزيرة العربية، والقوات الفرنسية تنشر قواتها في البحر الأبيض المتوسط، إضافة إلى السعي الروسي للوصول إلى المياه الدافئة في الشرق الأوسط ، وبعد أن رفض الأتراك المطالب العربية، وفشلوا في حماية الولايات العربية، ونقلوا الجيوش التركية التي كان أكثر قوامها من العرب إلى جبهة القوقاز، وأخلوا العراق من الجيوش النظامية مما سهل سقوط البصرة في أيدي الانجليز، فكان لا بد للشريف من أن يحزم أمره لتحقيق هدفه الاستراتيجي والبحث عن مصلحة العرب العليا بمد يد التحالف مع بريطانيا التي عرضت مساعدتها عن طريق اللورد» كتشنر» في القاهرة بدعم قيام الثورة العربية ضد الأتراك إن وقف الشريف حسين مع بريطانيا في حربها ضد دول المحور، حيث قام السيد «ستورز» بإرسال شخص مصري الأصل يدعى «علي أفندي البزار» إلى الطائف ويحمل كتاباً إلى الأمير عبدالله بن الحسين يدعوه فيه إلى عرض الكتاب على والده الشريف الحسين، وقد اشتمل الكتاب على البيان الذي تحللت فيه بريطانيا العظمى من صداقة تركيا بعد أن انحازت إلى جانب ألمانيا في الحرب، ويسأل « ستورز» سمو الأمير عبدالله: «هل أنتم وسمو والدكم ما زلتم على رأيكم الأول في القيام بما يجر إلى استقلال العرب استقلالاً تاماً، فإذا كنتم كذلك فإن بريطانيا العظمى على استعداد لإمداد الحركة العربية بكل ما هي في حاجة إليه».
من خلال النص نجد أن بريطانيا بهذا العرض قد ضربت على وتر حساس لامس الأهداف السياسية العليا للشريف الحسين والأحرار العرب الذين كانوا تواقين لتحقيق الاستقلال بالانفصال عن الدولة العثمانية ، وإنشاء الدولة العربية المستقلة، ومع هذا كان الشريف الحسين بن علي حذراً ، فلم يجب على التساؤل ، مما حدا بالسيد «ستورز» إلى استئناف العرض مرة ثانية بعد شهر ليؤكد حسن نوايا بريطانيا تجاه العرب، خاصة بعد انفكاك علاقاتها السياسية مع تركيا، وبعد ذلك دخل على خط الحوار مع بريطانيا السيد» هنري مكماهون « الذي عُيِّن نائباً لملك بريطانيا في مصر، وجرت مراسلات بينه وبين الشريف حسين بن علي عرفت في التاريخ السياسي للثورة العربية الكبرى بـ « مراسلات الحسين- مكماهون «، وفي تحليل نصوص هذه المراسلات ما قد يشفي غليل الباحثين والدارسين بالمزيد من الإضاءات التي تكشف الفكر الاستراتيجي للشريف حسين بن علي، وقد تنصفه من بعض الظلم الذي لحق به من العرب وغير العرب الذين انتقدوا هذه المفاوضات، وهنا لا بد من الأخذ بعين الاعتبار عدة نقاط تتلخص فيما يأتي:
(1) أن منتقدي المراسلات باعتبارها غير قوية، فأغلبهم لم يقرأوا هذه النصوص (الرسائل) بعناية، وبنوا آراءهم تجاهها استناداً على ما سمعوه من الآخرين.
(2) أن الإنجليز حينما بدأوا المراسلات مع الشريف الحسين كانوا في وضع ضعيف، وكانوا بحاجة ماسة إلى حليف استراتيجي قوي في المنطقة، يسند مصالحهم، لكن حينما انتهت الحرب خرجوا منتصرين ، في حين كان موقف العرب يتراجع نحو الضعف، بينما هم كانوا يتقاسمون مع حلفائهم الفرنسيين والروس ممتلكات تركيا.
(3) أن السياسة لدى بريطانيا ودول الحلفاء هي مصالح ، واحترام المعاهدات والعهود والمواثيق خاضع لما يتمتع به المتعاهدون من قوة ، وقد قام الباحث بتحليل متعمق لمراسلات الحسين مكماهون التي وصلت إلى خمس رسائل، ولا أعتقد أن المجال يسمح لإيراد كامل التحليل في هذه الدراسة نظراً لما سيكون عليه من حيث كبر حجمه ، لأن كل رسالة من الرسائل كانت محملة بالأفكار السياسية التي تعكس حقيقة الفكر الاستراتيجي السياسي لدى الشريف الحسين بن علي وثباته على مبادئه، وحرصه على تنفيذ ما ورد في الرسائل، وتأكيده على الوضوح والشفافية ، وبخاصة حول تحديد حدود واضحة للدولة العربية المستقلة، والتي راوغت بريطانيا فيها كثيراً، ولمّا زاد ضغط الشريف على بريطانيا، أخذت تقضم من مناطق هذه الحدود شيئاً فشيئاً وبالتدريج.
فكر الشريف الحسين الإستراتيجي السياسي. يمكن للدراسة أن تلخص فكر الحسين الاستراتيجي السياسي في هذه المراسلات من خلال نقاط رئيسة وعلى الشكل الآتي:
أ. وضوح الرؤية السياسية: تشير النصوص والوثائق والمراسلات إلى أن الشريف كان ذا رؤية سياسية واضحة، وعلى درجة عالية من الاستقلال في فكره السياسي، ونقرأ ذلك في النص الآتي من رسالته الأولى الموجهة إلى السيد هنري مكماهون، وقد جاء فيها بخصوص حدود الدولة العربية المستقلة: « أن تعترف انجلترا باستقلال البلاد العربية من مرسين- أضنة ، حتى الخليج شمالاً، ومن بلاد فارس حتى خليج البصرة شرقاً، ومن المحيط الهندي للجزيرة جنوباً، يستثنى من ذلك عدن التي تبقى كما هي، ومن البحر الأحمر والبحر المتوسط حتى سيناء غرباً، على أن توافق انكلترا أيضاً على إعلان خليفة عربي على المسلمين».
ب. إن الطرف البريطاني المباشر في معادلة الحوار العربي- البريطاني في الرسائل كان متذاكياً إلى درجة يمكن فهمه على أنه واحد من اثنين:
(1) ليس طرفاً رئيساً في اتخاذ القرار السياسي، بل كان يشكل جزءاً من منظومة وهياكل صنع القرار في بريطانيا، وقد يعتمد متخذ القرار في لندن توصيته وقد لا يعتمدها ولا يأخذ بها، وهذا ما جعل نتائج المراسلات على هذا الوجه الذي انتهت عليه.
(2) أنه مراوغ، ولا يهمه نكث الوعود، وليس من المهم لديه إلا مصلحة بلاده دون الالتفات إلى ما سيؤول إليه وضع الحليف فيما بعد.
والأمران يشكلان خطورة على الوضع العربي ، وقد توافرا في الطرف البريطاني ، مما قاد فيما بعد إلى تأثير على الأهداف السياسية لقائد الثورة.
من جانب آخر كانت الأحداث والمواقف تؤكد استقلال الفكر السياسي للشريف الحسين بن علي، ففي أحد النصوص التي نقلها شفوياً محمد بن عريفان رسول الحسين بن علي ، وسجلها السيد «ستورز» ، حيث يقول الشريف: «إننا لسنا تحت إمرة الأتراك، ولكن الأتراك تحت إمرتنا».
ب. الشورى في اتخاذ القرار. لم يكن الشريف الحسين منفرداً برأيه السياسي، حيث كان يستشير أصحاب الرأي والفكر، ويطلب مشورتهم ونصحهم، ولا يتخذ رأياً سياسياً أو قراراً سياسياً بمفرده ، ودليل ذلك ما ورد في نصوص رسالته الأولى إلى السيد «هنري مكماهون « التي بنيت استناداً إلى «ميثاق دمشق» الذي حدد فيه القادة والمفكرون السياسيون العرب مطالبهم السياسية بإنشاء الدولة العربية المستقلة المستندة إلى حدود واضحة المعالم، وردت في ميثاق دمشق، ومن ثم ضمّنها رسالته الأولى، وعبّر عنها في جميع رسائله الخمس لأهميتها، في حين أن أطراف الحوار البريطاني المباشرين مثل «ستورز» و»هنري مكماهون» وغيرهم، لم يأخذوا أفكار الحسين السياسية في رسائله على محمل الجد، بل كانوا يرون أن الشريف وضع شروطه الخاصة، وليس بتفويض من أهل الحل والربط من العرب، ولعل أبلغ ما يدلل على ذلك ما ورد في ما دوَّنه السيد «ستورز « بقوله: إن الشريف يطالب بأكثر ما يحق له أن يطالب به، أو يملك القوة على توقعه، إلى أن يقول بالنص الحرفي: « أخيراً إن الشريف مثله مثل أبناء دينه الآخرين، يحتمل أن يعدل في لهجته عندما تسقط استنبول».
ج. كان هناك تقاطع واضح في الفهم والمضمون والأهداف بين الشريف الحسين وبريطانيا عكسته المراسلات، خاصة أن متخذ القرار السياسي البريطاني يتحكم في الحوار عن بُعد، والقرار يتخذ في لندن، وإن ما يعتمل في ذهن متخذ القرار فقط هو مصلحة بريطانيا، لذا جاء مضمون الردود على رسائل الشريف مراوغاً، مبطناً، متبايناً مقابل الوضوح في مطالب الشريف، ويتضح أن الأهداف السياسية البريطانية تختلف عن الأهداف السياسية للشريف الذي كان يهدف إلى إنشاء الدولة العربية المستقلة، بينما كان الهدف البريطاني، هو الهيمنة على المنطقة العربية، والمحافظة على مصالح الحلفاء الأوروبيين، واقتسام التركة العثمانية، والخروج من الحرب منتصرة سياسياً وعسكرياً دون اعتبار لمصالح الحليف العربي.
د. كشف الفهم السياسي لدى الشريف أسلوب المراوغة السياسية والنوايا المبيتة من قبل بريطانيا للتحلل من التزاماتها الفضفاضة والبحث عن تبريرات ومسوغات للتنصل من أية وعود وعهود، لذا نجد عدم التزام بريطانيا بمعاهدة أو اتفاق رسمي حول المطالب السياسية للشريف مع إصراره على ذلك، وتضييقه المستمر أثناء المراسلات على بريطانيا، وتأكيده على ضرورة توقيع معاهدة رسمية تلزم بريطانيا بذلك، ولكن بدون جدوى، فكان الأهم لدى بريطانيا هو الحيلولة دون انحياز العرب إلى جانب ألمانيا، والدليل في النص الآتي من برقية وزير الخارجية البريطاني «جراي» إلى السيد «هنري مكماهون» في القاهرة، يقول فيها: «إن إعطاء تأكيد يقود إلى الحيلولة دون انحياز العرب إلى صفوف أعدائنا هو الأمر الأكثر أهمية، وإن أبسط خطة يمكن إتباعها هي إعطاء تأكيد باستقلال العرب».
ه. عكست المراسلات عمق الفكر الاستراتيجي لدى الشريف من خلال إدارك مرامي وأهداف بريطانيا، وتمسكه بعقائده السياسية ، فهو ممثل العرب بناءً على تفويض منهم، ويتكلم باسمهم وقد أخذ على عاتقه السعي بكل ما يملك من إمكانات وقوة إلى حفظ الدين وحرية العرب، وإقامة الدولة العربية المستقلة، فهو لم يوافق على إخراج ولايتي حلب وبيروت، وكذلك البصرة وبغداد من مطالبه السياسية حسب طلب بريطانيا، بإعتبارهما موقعين استراتيجيين يوفران عمقاً استراتيجياً سياسياً وجغرافياً للدولة التي يطمح العرب لإقامتها، وباعتبارهما نقاط سيطرة هامة على الطرق البحرية التي تربط الغرب بالشرق ، وتستنتج الدراسة من تحليل نصوص المراسلات بين الشريف حسين ومكماهون ما يأتي:
(1) إن التعامل مع وكلاء متخذ القرار البريطاني قد أثّر تأثيراً سلبياً على نتائج المفاوضات (المراسلات).
(2) سيطرة متخذ القرار البريطاني عن بُعد من لندن، قاد إلى عدم تقدير صحيح لمطالب العرب، نظراً لسيطرة الهدف السياسي البريطاني على ذهنية متخذ القرار السياسي البريطاني، ولم يعط اعتباراً أو تقديراً لمطالب الحليف.
(3) وجود نوايا بريطانية مبيتة للنكث في العهود والتنصل من الالتزامات التي التزمت بها من خلال عبارات منمقة وفضفافة لم تشر إلى معنى محدد يفضي إلى نتائج واضحة، بالرغم من ضغط الشريف وتضييقه على الإنجليز لتوقيع معاهدة.
(4) فقدان بريطانيا موثوقيتها بهذه السلوكيات السياسية، بعد أن كانت تملك موثوقية عالية لدى العرب والعالم.
(5) لم يتخل الشريف الحسين عن مواقفه ولا عن مبادئه، وأدّى دوراً مشرفاً في السعي لتحقيق الاستقلال للعرب، وظل وفياً لمبدئه بالمحافظة على الأرض العربية وبالأخص فلسطين، فلم يوافق على معاهدة ، ولم يعط تعهداً في شيء ورفض وعد بلفور، ولم يوافق على وضع الانتداب على فلسطين.
(6) لا تتفق هذه الدراسة مع ما ذهب إليه بعض الباحثين إلى أنه كان هناك سوء فهم من خلال المراسلات، حيث لم يلتق فهم الشريف مع الفهم البريطاني نتيجة للمعاني والألفاظ والمصطلحات التي وردت في الرسائل، ولكنها تؤكد أن هناك فهماً واحداً ذهبت اليه بريطانيا وهو مصالحها فقط ، مع إدراكها الكامل لمطالب الشريف الحسين بن علي ومعه العرب.
المفهوم الاستراتيجي السياسي للثورة العربية الكبرى. لقد شكلت المعطيات السياسية والعسكرية والاجتماعية أبعاداً واسعة وضعت الفكر الاستراتيجي للشريف في حيرة، ومواجهة صعوبة في اتخاذ القرار، لذا فإنه في ظل هذه الظروف والأحوال كان لا بد لقائد الثورة العربية الكبرى من أن يحدد مفهومه الاستراتيجي السياسي للثورة، وقد لعب الأمراء أبناء الشريف دوراً في رسم هذا المفهوم، حيث كان لدى الشريف من سعة الأفق ما يجعله متأنياً في اتخاذ القرار، ولديه القدرة على التمييز السياسي بين الوقائع والأحداث والآراء ليقرر الأكثر صواباً، فكان يستشير ذوي الخبرة وأصحاب الرأي والفكر من حوله، ويستمع لآرائهم وأفكارهم، لذا فقد برزت أمامه ثلاثة توجهات استراتيجية سياسية حكمت قراره السياسي في تحديد مفهومه الاستراتيجي السياسي للثورة وكانت على الشكل الآتي:
أ. الوقوف إلى جانب الأتراك في الحرب والطلب منهم الاعتراف بحق العرب بالاستقلال، وقد تبنى هذا التوجه الأمير فيصل بن الحسين استناداً إلى عدة أسباب أهمها:
(1) أن رؤيته تتلخص بأن الحلفاء لا يهمهم سوى تحقيق مصالحهم وأهدافهم السياسية بالحصول على جزء من تركه الرجل المريض، في كل من سوريا والعراق وفلسطين.
(2) أن وعود بريطانيا بالمساعدة في قيام الدولة العربية المستقلة غير كافية، وغامضة، تجاه ما نص عليه ميثاق دمشق بخصوص حدود الدولة العربية المستقلة وقيامها.
(3) إن الاستعداد العربي للقيام بالثورة غير كافٍ، وحينها فإن وحشية الأتراك ستزداد ضرورة تجاه العرب.
ب. الوقوف إلى جانب بريطانيا في الحرب: وقد تبنى هذا التوجه الأمير عبدالله بن الحسين الذي كان عضواً في مجلس المبعوثان التركي ، وقد استند الأمير عبدالله في توجهه هذا على ما يأتي:
(1) رؤيته بأن الاستقلال عن تركيا لن يكون إلا باستخدام القوة العسكرية، سواء تحالف العرب مع بريطانيا أم لم يتحالفوا.
(2) اطمئنانه لمواقف أحرار العرب والمفكرين السياسيين بالوقوف إلى جانب الحسين بن علي في ثورته.
(3) خبرته السياسية ومعرفته بالمعطيات السياسية السائدة، وإطِّلاعه على أسرار ونشاطات الجمعيات العربية خلال عضويته في مجلس المبعوثان في الأستانة.
(4) رؤيته الاستراتيجية بأن ميزان القوى يميل إلى صالح دول الحلفاء.
(5) تأكده من حاجة بريطانيا إلى حليف استراتيجي في المنطقة العربية لدعم مواقفها، مع إدراكه بأن مثل هذا التحالف سيسند الثورة في تحقيق مصالحها العليا بإقامة الدولة المستقلة.
ج. الاتجاه الثالث: وقد تبناه قائد الثورة الشريف الحسين بن علي، وقد تلخص في الدمج بين التوجهين السابقين، وفي اتباع استراتيجية الدبلوماسية والحرب، واستند في توجهه إلى ما يأتي:
(1) أن هذا المفهوم يخفف من إثارة الشعوب المسلمة من غير العرب ضد الثورة.
(2) يقلل من الخسائر في القوى البشرية بين صفوف العرب الذين سينضوون تحت لواء الثورة ، فهم غير مدربين، وفي يدهم القليل من الأسلحة.
(3) بقاء الباب مفتوحاً للتعاون مع بريطانيا، من خلال وعده للورد « كتشنر».
وبعد التشاور، اتخذه قراره الاستراتيجي بإعلان الثورة العربية الكبرى، وأطلق رصاصتها الأولى من قصره في مكة المكرمة عام 1916.
وتختم الدراسة موضوعها في هذا الفصل بأن فلسفة الحسين بن علي في الثورة العربية الكبرى كانت تقوم على ركائز سياسية مهمة تلخصت في السعي لتحقيق الوحدة والحرية والحياة الفضلى الكريمة للأمتين العربية والإسلامية، وكان قائد الثورة يدرك أن هذه الفلسفة بحاجة إلى ثبات على المبدأ وإلى مزيد من الصدق والتضحية والأمانة والحس العميق بالمسؤولية، والوقوف مع الحق والعدل، وقد شكّلت هذه المواصفات تركيبة شخصية الحسين بن علي، ويمكن للباحث أن يقرأ كل ذلك في النص الآتي من أقوال الحسين بن علي: «ولي الشرف أيضاً لكوني ثبت على مبدئي، وأخلصت في عملي، وقمت بواجبي، فما عليَّ من غيري إذا لم يف بالوعد، ولم يقم بإنجاز عهوده، ونفذ مطامعه بقوة مدرعاته ورؤوس حرابه، إنني لا أعترف بالانتداب من أساسه، وكل ما تفعله بريطانيا بي يزيدني شرفاً وفخراً بين شعبي وأقوامي، حيث يسجل التاريخ لكل منا عمله».
نفي ووفاة الشريف الحسين بن علي: بعد تنازله عن العرش غادر الشريف الحسين الحجاز من مكة إلى جدة ثم وصل إلى العقبة، حيث كان يرغب الإقامة فيها ، إلا أن بريطانيا أظهرت للشريف الحسين بن علي عدم تحملها مسؤولية سلامته الشخصية هناك، وفي 28 أيار 1925م وجّهت بريطانيا له إنذاراً بضرورة مغادرة العقبة خلال ثلاثة أسابيع، لكنه رفض الإنذار وتحدى الإنجليز، إلا أن الأمر انتهى بمغادرته قسراً عنه ، ليعيش في المنفى الذي حددته بريطانيا وهو قبرص، وغادر العقبة مع عائلته على ظهر بارجة بريطانية في 18 حزيران 1925م ، وهو محزون وقد أطلق بيتاً من الشعر غدا مشهوراً ترجم فيه إيمانه بالقضاء والقدر فقال:
مشيناها خطى كتبت علينا ومن كتبت عليه خطى مشاها
وبذلك أسدل الستار على مرحلة تاريخية سعى الشريف الحسين بن علي ما وسعه الجهد بكل الصدق والأمانة والإخلاص للنهوض بالأمة العربية لتستعيد ماضي مجدها، وهو العربي المسلم الذي آمن إيماناً عميقاً بالشريعة الإسلامية السمحة، وبالأمة العربية التي أسهمت لحين من الدهر في بناء الحضارة الإنسانية، لكن العثرات والكبوات التي وضعتها الأطماع الدولية أمام الثورة، والتحديات التي فرضتها الدول الاستعمارية كانت أكبر من طاقة وإمكانات الثورة وقائدها، فحالت دون تحقيق الهدف الكبير بإقامة الدولة العربية المستقلة والموحدة.
لقد أمضى قائد الثورة العربية الكبرى في المنفى حوالي ست سنوات (1925م-1931م)، ولما اشتد عليه المرض نُقل إلى عمان في 28 تشرين الثاني 1930م، وقد وافته المنية ليلة 3/4/حزيران 1931م،ودُفن بناء على وصيته في القدس قرب المسجد الأقصى وقبة الصخرة، وما زال ضريحه شاهداً على عزة وكرامة الأمتين العربية والإسلامية.
الدولة الأردنية. لكن قيام إمارة شرق الأردن في عام 1921 شكل واحدة من ثمار الثورة العربية الكبرى ، وقيام المملكة الأردنية الهاشمية على أساس مباديء الثورة العربية الكبرى جعل الثورة تعيش في ضمائر العرب والمسلمين حتى وقتنا الحاضر ، وها هي المملكة الأردنية الهاشمية بقيادتها الهاشمية ، وبالعهود الهاشمية المتواترة ما زالت على مباديء الثورة الداعية إلى وحدة الصف العربي ، وجمع كلمة العرب لما فيه خير العرب والمسلمين.
النتائج: من خلال فصول هذه الدراسة يمكن استنتاج ما يأتي:
أ.أن الشريف الحسين بن علي قائد الثورة العربية الكبرى كان على قدر عالٍ من التمتع بفكر استراتيجي على الصعد السياسية والعسكرية والاجتماعية ، فنقرأ فيه فكر الزعيم السياسي المتميز، وفكر القائد العسكري الحاذق الحازم المتوازن المستند إلى عمق سياسي وتحوطٍ عسكري مبني على المعلومات السياسية الواضحة والمعلومات العسكرية الدقيقة والحس الأمني والاستخباري العميقين ، مثلما كان المدرك لكل الأبعاد السياسية والعسكرية للمواقف والأحداث التي كانت تمور في المنطقة، وتفرض نفسها بشتى الوسائل على الواقعين السياسي والعسكري.
ب.لم تحظ أقوال وأفعال وسلوكيات واتجاهات وتوجهات الشريف الحسين بن علي الفكرية بالتأريخ الصحيح ولا بالتحليل الدقيق، ولا بالإنصاف العلمي والسياسي، فالغرب يكتبون عن الثورة العربية الكبرى من منطلق مصالح بلادهم، ومن خلال الوثائق التي كان تشرف على إنشائها وكتابتها بعثاتهم الدبلوماسية والعسكرية في المنطقة العربية ، حيث كان الدبلوماسيون والعسكريون من ضباطهم يركزون في تقاريرهم الاستخبارية والعملياتية المرفوعة إلى قياداتهم السياسية والعسكرية في أوروبا على دور دولهم في الحرب العالمية الأولى، وكيف حققوا الانتصارات على دول المحور، فقد جاء في كتاب «راندال بيكر» قوله: « وواصل لورنس حديثه في كتابه «أعمدة الحكمة السبعة «، كنت أرى أن وعودي للعرب كأوراق الخريف ، لقد مارست الخديعة لإيماني بأن المعونة العربية ضرورية لتحقيق نصر فوري سريع ورخيص في الشرق ، والأفضل لنا أن ننتصر ونخلف وعودنا على أن تلحق بنا الهزيمة «.
أما العرب، فكثير منهم كتبوا متأثرين بكتابات ووثائق صدرت عن الشرق والغرب، وقد تناول كثيرون منهم جوانب متعلقة بالثورة والشريف الحسين بن علي بالتأريخ والبعض بالتحليل ، لكن القليل منهم من تعمق بالتحليل المتوازن ، وربما كان السبب هو التركيز على التوثيق للثورة أولاً قبل التحليل، كما كان هناك قسم من الكتاب والمؤلفين قد أسقطوا الكثير من انتماءاتهم الفكرية والسياسية على هذه الثورة، فأوقعوا بذلك على الثورة وقائدها ظلماً بقصد أو بغير قصد، وقسم آخر قصَّر في الكتابة عن الثورة وقائدها، ونشر انجازاتها السياسية والعسكرية ظناً منهم أن الثورة قد فشلت، ومع أنها كانت ثورة ناجحة بكل المقاييس العسكرية ، وحققت أهدافها بنجاح، فوصلت إلى دمشق ورفعت علم الثورة العربية الكبرى في سماء مكة ودمشق وبيروت وحلب ، إلا أن الطمع والمكر والخديعة حالت دون تحقيق الأهداف السياسية الطامحة لإنشاء الدولة العربية المستقلة.
ج. أن طموحات الحسين بن علي قد اصطدمت بتحديات كبيرة، فرضتها استراتيجيات دول كبرى مثل بريطانيا وفرنسا وروسيا لتحقيق مصالحها الاستعمارية، وبرز ذلك من خلال التراجع التدريجي البريطاني عن التعهدات والعهود والوعود التي قطعتها بموجب المراسلات التاريخية التي جرت بين الشريف الحسين والسيد هنري مكماهون، وبرز ذلك من خلال دفع قائد الثورة للتوقيع على اتفاقيات تخدم استراتيجيات الدول الأوروبية في السيطرة على الواقع العربي مثل معاهدة فرساي عام 1919م والمعاهدات التي تلتها.
وحينما عمد الشريف الحسين بن علي إلى الضغط على بريطانيا والتضييق عليها بمطالباته الحثيثة للوفاء بعهودها، استخدمت أساليب عدة للتهرب من التزاماتها، بل ذهبت إلى أكثر من ذلك بحيث وصل الأمر إلى استعداء الطوائف الدينية في الجزيرة العربية مثل الأدارسة والوهابية عليه من أجل تفتيت الوحدة الإسلامية والعربية، وبث الفرقة بين مكوناتها وإقحامها في بيئة متصارعة، بحيث تطورت الخلافات بين نجد والحجاز إلى اشتباكات وقتال ، مما اضطر الشريف الحسين إلى مغادرة الحجاز بعد التنازل عن العرش الهاشمي إلى أبنه الأمير علي الذي أصبح ملكاً على الحجاز في 3 تشرين أول 1924، لكن الخلافات لم تنته رغم الوساطات المختلفة من مصر وبريطانيا ومن العرب والمسلمين إلا بخروج الملك علي بن الحسين بن علي في 15 كانون الأول 1925م من الحجاز ومغادرتها إلى بغداد.
التوصيات: توصي الدراسة بما يأتي:
أ. توجيه الدعوة للباحثين والدارسين المهتمين لإجراء مزيد من الأبحاث والدراسات من خلال أكثر من أسلوب منها:
(1) مسابقة دولية تشمل الباحثين والمتخصصين والمهتمين من العرب والأجانب للتأليف في مجالات متنوعة من مجالات الثورة العربية الكبرى على الصعد السياسية والعسكرية والاجتماعية.
(2) إعادة تهيئة البيئة الأكاديمية في الجامعات الأردنية في اقسام التاريخ، وفسح المجال أمام الباحثين المختصين وأساتذة التاريخ السياسي والعسكري وتشجيعهم لإجراء المزيد من الأبحاث والدراسات التي تحلل فكر الثورة السياسي والعسكري وتحلل أدوار قادتها ورجالاتها.
ب. إيلاء فكر ومجريات الثورة العربية الكبرى ومواقف مفكريها وقادتها اهتماماً خاصاً في الاستراتيجية الثقافية الأردنية، وذلك باستحداث دائرة في وزارة الثقافة تحتوي قسماً للترجمة ، وتسليم المهمة لباحثين حقيقيين مستندين إلى منهجية بحث علمي ، ومتفرغين لهذه المهمة بعيداً عن الوساطات والتنفيع الوظيفي.
ج. إيجاد حيز مناسب في الاستراتيجية الإعلامية الوطنية لإيصال مفاهيم رسالة الثورة العربية الكبرى إلى العالم على الصعد المحلية والإقليمية والدولية بموجب خطة إعلامية على مدى الدورات البرامجية شاملاً ذلك الصحافة والإذاعة والتلفزة الوطنية ومواقع التواصل الاجتماعي الممكنة،والإعلام الإقليمي والدولي.
د. توجيه دعوة لمن يملك أية وثائق أو صور في الداخل والخارج لتزويد الجهات الرسمية بها مع المحافظة على حقوقهم.
الـمـراجـــع
الكتـب:
- ابراهيم الشريقي، الثورة العربية الكبرى، دوافعها وحصادها والأحداث التي مرَّ بها المشرق العربي، ط1، لندن، 1984.
- ابراهيم العطار، الموسوعة الهاشمية في القرن العشرين، دراسة في الأوضاع التاريخية والسياسية للممالك الهاشمية المشيدة في المشرق العربي خلال القرن العشرين، ط1، المطابع العسكرية،عمان، 1995.
- أحمد حسين يعقوب، الهاشميون في الشريعة والتاريخ، ط1، عمان ، 1998.
- أسامة يوسف شهاب، الاتجاه الإسلامي في نهضة الشريف الهاشمي: دراسة في الفكر السياسي للثورة العربية الكبرى وثائق ونصوص وأسانيد، ط1، عمان، 1995.
- بكر المجالي وقاسم الدروع، التاريخ العسكري للثورة العربية الكبرى على الأرض الأردنية، دراسات وثائقية تحليلية ميدانية، ط1، المطابع العسكرية، 1991.
- جبر الخطيب، العروبة والإسلام في خطاب الحسين بن علي (1908-1931)، ط1، وزارة الثقافة، عمان، 2007.
- راندل بيكر، ترجمة صادق عبد علي الركابي، مملكة الحجاز، الصراع بين الشريف حسين وآل سعود، ط1، الأهلية للنشر والتوزيع، عمان، 2004.
- سعد أبو دية وقاسم محمد صالح، الجيش العربي، نشأة وتطور ودور القوات المسلحة الأردنية (1995-1997)، ط1، المطابع العسكرية، 1997.
- سليمان الموسى، تاريخ الأردن في القرن العشرين (1900-1959)، ط2، مكتبة المحتسب، عمان، 1988.
- ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ، مذكرات الأمير زيد، الحرب في الأردن 1917-1918، ط2، مركز الكتب الأردني، عمان، 1990.
- ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ، الحسين بن علي والثورة العربية الكبرى، ط2، منشورات لجنة تاريخ الأردن-سلسلة كتب المطالعة 4، جمعية عمال المطابع التعاونية، عمان، 1992.
- سيد علي العدروس ترجمة عبد العزيز المعايطة، مراجعة صادق ابراهيم عودة، الجيش العربي الهاشمي (1908-1979)، تقويم وتحليل للعمليات العسكرية، ط1، عمان، 1983.
- صبحي العمري، أوراق الثورة العربية الكبرى1، المعارك الأولى الطريق إلى دمشق، ط1، رياض الريس للكتب والنشر، (لندن-قبرص)، 1991.
- عبدالله بن الحسين الآثار الكاملة (حقبة من تاريخ الأردن ) ، ط3، بيروت، 1985.
- علي محافظة، الفكر السياسي في الأردن (1916-1942)، ج2، ط1، مركز الكتب الأردني، عمان، 1990.
- فاروق الحريري، الحرب العالمية الأولى، دراسة عسكرية: الحملة على القفقاس، الحملة اسطنبول، ط1، بغداد، 1990.
- قاسم محمد صالح، الثورة العربية الكبرى من منظور عسكري، في قاسم محمد صالح وقاسم محمد الدروع، النهضة العربية الكبرى: دراسات وأبحاث، ط1، عمان، 1989.
- محمد حسين المحاسنة، صفحات من تاريخ آل البيت، ط1، مطبعة البهجة، اربد، 1998.
- محمد خلف الرقاد ومحمد أبو عواد (تحرير ومراجعة)، التاريخ العسكري للقوات المسلحة الأردنية/الجيش العربي (1921-2008 ) ، ط1، منشورات مديرية التوجيه المعنوي، المطابع العسكرية، عمان، 2009.
- محمد يونس العبادي (معد ومحرر)، الرحلة الملوكية الهاشمية من مكة المكرمة إلى عمان والبيعة الكبرى بالخلافة للشريف حسين بن علي، ط1، منشورات وزارة الثقافة، عمان 2011.
- مصطفى طلاس الثورة العربية الكبرى، ط 4، منشورات مجلة الفكر العسكري، دمشق، 1987.
- ممدوح الروسان، حروب الثورة العربية الكبرى في الحجاز وبلاد الشام، ط1، مكتبة الكتاني، اربد، 1986.
- نضال داود المومني، الشريف الحسين بن علي والخلافة، ط1، منشورات لجنة تاريخ الأردن-سلسلة البحوث والدراسات المتخصصة11، عمان، 1996.
- هنادي يوسف غوانمة، المملكة الأردنية الهاشمية الحجازية، ط1، دار الفكر للنشر والتوزيع، عمان، 1989.
الدوريات:
- القبلة، أعداد مختلفة عامي 1334-1335هـ.
- صحيفة الدستور الأردنية، الشريف الحسين بن علي.. الملك الثائر، الأربعاء 13 حزيران 2012، منشور على الموقع الإلكتروني:www.addustour.com/16515
- محمد عبده حتاملة ، الشريف الحسين بن علي.. ملك العرب ،صحيفة الرأي الأردنية، تاريخ 28/12/2012.
بحث وإعداد
* اللواء الركن الســابق
الفكر الاستراتيجي السياسي للشريف الحسين بن علي قائد الثورة العربية الكبرى ومفجر رصاصتها الأولى
12:00 1-10-2016
آخر تعديل :
السبت