( تمرّ هذا العام المئوية الأولى لنهضة العرب والتي تعارفنا منذ قرن بأنها الثورة العربية الكبرى بقيادة شريف مكة الحسين بن علي وأبنائه، وقد حفظت جريدة القبلة التي صدرت في مكة المكرمة منذ قرن من الزمن ،خطاب النهضة، ومبررات الثورة، وأدبياتها، واحتفاء من جريدة الرأي الأردنية بهذه الذكرى النبيلة، تفرد للأديبة والمؤرخة الأردنية الدكتورة هند أبو الشعر صفحة أسبوعية تستعيد فيها أدبيات جريدة القبلة وخطابها النهضوي، ثقة من الرأي بحاجتنا في هذا الزمن وبعد قرن كامل، إلى استنهاض هذا الخطاب واستعادته من عمانّ المدينة التي احتضنت رجالات النهضة وحافظت على فكر أحرار العرب)
هذه النهضة العربية :
لأن عرب اليوم الذين قامت الثورة العربية الكبرى قبل قرن من الزمن انتصارا لكرامتهم المهدورة، وغضبا لاغتيال أصحاب القلم والفكر والرؤية من شبابهم، لأنهم لا يجدون الوقت لالتقاط أنفاسهم بين جنون التفجيرات ومواكب الموتى والجياع والمهجرين، ولأننا في الأردن نقبض على سارية علم (الدولة العربية الهاشمية) التي أطلقها شريف مكة قبل قرن من الزمن، و التي أعاد حفيده جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين نشرها في عمان قبل أيام، لأننا ما زلنا نقبض على جمر الحرية والعروبة وننتصر للكرامة، ولأننا أطلقنا على جيشنا في أول عهدنا بالإمارة
(الجيش العربي) ونذرناه للعرب، فإن من حقنا الآن ونحن نستعيد زمن ثورة العرب قبل قرن من هذا الزمن، أن نقرأ مع العرب كل العرب (ذاكرة الثورة العربية الكبرى) التي احتفظت فيها جريدة القبلة التي صدرت في الحجاز يوم الاثنين 15 شوال 1334 هـ / 15 آب 1916 م، وهي مصدرنا الثمين لنقرأ مع قراء الرأي حيثما انتشر الحرف العربي فكر النهضة التي هزت ضمير العرب في مشارق بلاد العرب ووصلت عرب المهجر في الأمريكيتين وأوروبا بامتياز، وتأثير لا يصدقان .. فلنبدأ أولا بالتعريف بالجريدة التي نحتفظ بأعدادها كاملة، لننشر من خلال هذه الزاوية الأسبوعية ما أثار إعجابنا ودفعنا إلى تعميم الخطاب العميق الذي يستحق الاستعادة والاستذكار والحفظ والتحليل .. ومن هنا نبدأ .
جريدة القبلة (1916 – 1924 م) :
كنت وأنا طالبة في الجامعة الأردنية أحتفظ بأوراق مصورة من بعض أعداد الجريدة التي احتفظ فيها مركز الوثائق والمخطوطات بالجامعة الأردنية، والتي صورها المركز على أفلام المايكرو فيلم من مكتبة الجامعة الأمريكية ببيروت، وقد وجدت على الصفحة الأولى وبخط اليد كلمات عمرها قرن من الزمن تقول : (هدية إلى مكتبة الجامعة الأمريكية في بيروت من عبد الله بلخير بديوان جلالة الملك / مكة المكرمة) ولحسن الحظ، فقد تمكنت من الحصول على الأعداد وافية واغتنمت بعض الوقت لقراءة مقتطفات منها، لانشغالي بدراسات مختلفة، إلى أن استعدتها هذا العام، وتبين لي أن ما عرفته عن هذه الجريدة أقل من القليل، وأن من أراد أن يدرس فكر العرب وخطابهم قبل الثورة وأثنائها، عليه أن يقرأ الأعداد وافية، وقبل أن نتناول المحاور التي نراها جديرة بقراء اليوم من عرب القرن الحادي والعشرين نتوقف عند التعريف بالجريدة تعريفا أوليا :
صدرت الجريدة في مكة المكرمة في عددها الأول يوم الاثنين 15 شوال سنة 1334 هـ / الموافق للخامس عشر من شهر أغسطس / آب عام 1916 م، وطبعت في المطبعة الأميرية بحارة جياد، وظلت تصدر حتى يوم الاثنين 22 صفر عام 1343 هـ / 12 سبتمبر / أيلول 1924 م، وبلغ عدد ما صدر منها (823) عددا، بواقع أربع صفحات للعدد الواحد، وكان صدورها يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع، ولو حسبنا عدد الصفحات التي نتحدث عنها والتي نتصفحها الآن، لوجدناها تتجاوز ال (3295) صفحة، وقد حمل العدد الأول منها ترويسة تقول :
العدد الأول - السنة الأولى (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه)
القبلة جريدة دينية سياسية اجتماعية تصدر مرتين في الأسبوع لخدمة الإسلام والعرب
وأخيرا .. دخلت جيوش العرب العقبة ..!
من يقرأ أعداد جريدة القبلة في سنتها الثانية مع العدد « 101 « تبدأ لديه متابعة من نوع خاص ، ويمكنه أن يلمس أثر روح النضال التي انتشرت بين قبائل الحجاز وبين أهالي بلاد الشام والعراق ، فقد جرحت أفعال « جمال باشا « سفاح سوريا كما عرفه عرب عام 1916 م ، روح العرب وأشعرتهم بالهوان والتعدي على كل مقدس لديهم ، فقد تمادى الاتحاديون بعنصريتهم وبرمزهم « الذئب الأبيض « وغالوا في تأكيد الروح الطورانية ، وأعلنوا غيرتهم على رموز الترك من هولاكو واتلا وجنكيز ، وأخذوا يعظمونهم ويقللون من الروح الإسلامية ، وجاهروا بذلك علنا في خطبهم وصحفهم ومدارسهم .. جرحوا مشاعر الناس الذين يحاربون معهم في ميادين القتال ، ويموتون بلا قضية للدفاع عن مصالح ألمانيا ومصالح الاتحاد والترقي ، في الوقت الذي بدأت فيه الدولة تنهار عسكريا في الميادين ، وفي الوقت الذي تجرأ جمال باشا على تعليق وشنق أحرار العرب وخيرة مفكريهم وأصحاب القلم منهم ، في ميادين العرب وفي قلب « عاصمة بني أمية « دمشق .. وفي الوقت الذي تعرض أهالي بلاد الشام والعراق للنفي والملاحقة ومصادرة الأملاك ...من هنا نبدأ ، لنستعيد تجليات عام 1917 م مع تقدم جيش فيصل بن الحسين نحو ثغر العقبة ، ومع استقطاب القيادات العسكرية العراقية والشامية ، لقيادة « جيش العرب « نحو تحرير دمشق.
جيش فيصل بن الحسين في العقبة ومعان :
أول خبر نشرته القبلة لفتح العقبة ، في العدد 96 الصادر يوم الاثنين 27 رمضان سنة 1335 هـ / الموافق ل 16 تموز 1917 م ، وذلك في افتتاحية القبلة التي حملت عنوان « الثناء لله والحول والقوة له « حيث قدمت هذه الافتتاحية موقع العقبة وأهميته للجيوش الهاشمية ، فقد أشارت إلى أن العقبة ( كانت « عقبة كؤودا بما أحكمه فيها المتغلبة من المتاريس والاستحكامات والألغام وكل وسائل الدفاع ) وأن هذا الفتح ( قاد إلى حصار « معان « وتطهير المساحة الشاسعة بينها وبين العقبة من كل ما فيها من حاميات الأعداء ، حتى أصبح أيسر الخط الحديدي خاضعا للراية الهاشمية المنصورة ، كما أن أيمنه الذي يدعى « وادي السرحان « قد بلغت قواتنا إلى غايته الشمالية ...) واعتبرت افتتاحية القبلة بأن الراية العربية أصبحت بعد فتح العقبة خفاقة على ثغر العقبة ، الذي سيكون مركزا لسوقيات جيش سمّو الأمير فيصل ، وقد انقطعت بذلك المواصلات بين قوات الأعداء التي وضعها المتغلبة في جنوب معان ، وما بعدها من المحطات إلى المدينة المنورة وبين مرجعها الأصلي في الشمال .
وفي العدد 98 الصادر يوم الخميس 7 شوال من عام 1335 هـ / الموافق ل 26 تموز 1917 م نشرت القبلة نص البرقية التي وردت على جلالة الملك الحسين بن علي من الأمير فيصل ، كما يأتي : ( جيوشكم المنصورة استولت على العقبة ، وأخذت جميع حاميات درب العقبة ومعان ، وأسرت سبعمائة وعشرين أسيرا وثلاثين ضابطا أحدهم أميرالاي ، وغنمت مدفعين ، وبين الأسرى مهندس ألماني ، قتلى العدو خمسمائة ، شهداؤنا أربعة وجرحانا ستة ) .وهذا يجعلنا نعتبر أن نشر تفاصيل البرقيات في القبلة يمثل المصدر الرسمي الذي تعتبره الصحافة العربية والغربية مصدرها المباشر ، علما بأننا لاحظنا بان بعض الصحف المصرية وعلى رأسها « المقطم « لديها مراسل عسكري ينقل الأخبار مباشرة من الميدان ، وتقوم القبلة بنقل الأخبار أيضا عن المقطم وغيرها من الصحف التي لها مراسل حربي ، فإذا أضفنا هذا المصدر إلى القبلة ، وجدنا معلومات مباشرة وشبه يومية يمكن الركون إليها ، ولاحظنا في أخبار» القبلة « لفتح العقبة عودتها لصحف المقطم والأخبار والكوكب من صحف مصر ، ونقلها لتعقيب هذه الصحف على صدى فتح العقبة .
الاستيلاء على القطرانة :
وفي العدد 101 من القبلة الصادر يوم الاثنين 18 شوال من عام 1335 هـ / الموافق ل 16 أغسطس آب من عام 1917 م ، نقلت القبلة في زاويتها ( أخبار المعسكرات العربية ) ثلاثة أخبار تتمم ما جاء من أخبار العقبة والتوجه لمعان ، منها برقية الأمير فيصل بتخريب السكة الحديدية بالهجوم على تبوك ، والاستيلاء على القطرانة ، وتخريب السكة الحديدية في الجنوب ، وفي خبر القطرانة وردت برقية من الأمير فيصل إلى الحسين بن علي يقول فيها : ( استولت جنودكم المظفرة على قلعة القطرانة وأسرت خمسة وأربعين أسيرا بينهم ثلاثة ضباط ، وأخذت ما فيها من أوراق وماكنات تلغراف وبنادق ، والتخريب ما زال جاريا والحرب متمادية ) كما ورد من وكيل معسكر « العيص « برقية تقول : ( إن التجاوز الذي وقع بقيادة الشريف فوزان والشريف سليمان بن حسن كانت نتيجته قلع سبعمائة قضيب بين « حريمة « وبين « المدرج « وإن القسم الكلي من المعسكر سيهاجم غدا أو بعد غد النقطة التي تقرر مهاجمتها . وقد أكد الأمير فيصل أهمية ما قام به الفرقة التي تحركت إلى معسكر العيص ، فقد ورد ببرقية بعث بها لاحقا ونشرتها القبلة في العدد 102 الصادر يوم الخميس 21 شوال سنة 1335 هـ / الموافق 19 أغسطس / آب من عام
1917 م قوله : معسكر العيص قام بوظائف مهمة ، وأضاف في برقيته : ( عادت سرايانا من الجهات التي توجهت إليها بعد أن أدت ما عهد إليها اجراؤه بل والثناء لله زيادة عن المطلوب منها ، الأسرى الذين وقعوا في أيدينا من غرة رمضان إلى 15 شوال الجاري بلغ عددهم 1760 أسيرا بما فيهم أسرى العقبة ) وواضح تماما أن التفاصيل العسكرية التي تنشرها القبلة وافية ومتلاحقة ، وهو ما يجعلها من المصادر اليومية التي تحمل أهمية استثنائية .
ضابط من العقبة
نشرت القبلة في العدد التالي 103 الصادر يوم الاثنين 25 شوال من عام 1335 هـ / الموافق 13 أغسطس / آب عام 1917 م مادة معبرة تحت عنوان : ( الحديث العاطر بين السيد محمد وحيد الأيوبي وأحد ضباط العقبة ) وعقبت «القبلة « على ما أرسله السيد الأيوبي بالقول : ( اجتمع حضرة الوجيه المفضال السيد محمد وحيد بك الأيوبي بأحد الضباط الذين كانوا في العقبة عندما دخلتها سرية الشريف ناصر فاتحة ظافرة ، وهذا الضابط سوري مسيحي برتبة « يوزباشي « اسمه الدكتور حكمت ، فكتب السيد محمد وحيد بمناسبة ذلك إلى القبلة يقول : ( .. جاءني أديب من أزهار سوريا ومعه ضابط برتبة يوزباشي اسمه الدكتور حكمت ، قدمه إلي ذلك الأديب ، ولما قلت للضابط أن يتحدث بما عنده أخذ يروي لي ولمن كانوا معي حينذاك من وجهاء أوروبيين وسوريين ومصريين ما هو معروف ومشهور عن فوضى الحكومة التركية وما عليه الحال في تركيا من تعس وشقاء .. وروى الطبيب ما روى عن القوم من قبيح وفظ وغليظ .. إلى أن انتقل إلى ذكر ما للعرب من خلق كريم ، فحدثنا الدكتور حكمت عن رجال الحكومة الهاشمية بلسان كله مدح .. وعن الشريف ناصر « فاتح العقبة « باسم مولانا وسيدنا .. الحسين بن علي .. روى لنا عما لقيه الأسرى من فاتح العقبة ...)
سيوف هاشمية هدايا لفاتحي العقبة
( ملك العرب الحسين بن علي يهدي عودة أبو تايه سيفا )
ذكرت القبلة في عددها اللاحق 104 الصادر يوم الخميس 28 شوال من عام 1335 هـ / الموافق ل 16 أغسطس / آب من عام 1917 م أن الحسين بن علي أصدر إرادته ( بإهداء سيف للسيد الشريف ناصر بن علي ومثله إلى الأمير عودة أبو تايه من رؤساء الجيش الذي تحت قيادة سمّو الأمير فيصل ، وزيادة مرتبات قبائل الأمير عودة أبو تايه ، وذلك لما ظهر من بسالتهم وخدمتهم في فتح العقبة وسواها ) وقدمت القبلة تهانيها بهذه اللفتة الملكية التي طالت الفاتحين .
وفي نفس العدد رصدت القبلة ردود الفعل التي وصلت لجريدة المقطم المصرية من المكاتب في باريس والذي أكد للجريدة أن العرب في باريس قابلوا فتح العقبة ومعارك معان بالارتياح وخاصة خبر انتصار جنود الحجاز في معركة معان ، وبالمقابل ، فقد احتفل بعض المصريين بالقاهرة بالانتصارات التي حققتها الجيوش العربية ، فقد ورد للقبلة من جريدة الأخبار المصرية إقامة احتفالية ببيت الوجيه إبراهيم بك عبد العال بالمنشية في القاهرة ، ( حيث نصبت الأعلام والرايات وأنيرت المصابيح والثريات واجتمع المدعون من الوجهاء والأدباء وموظفي الحكومة وبعض الضباط ,, وألقيت الخطب في مديح النهضة العربية وتمنى النصر لجلالة المليك الهاشمي ..) وعقبت القبلة على ما ورد في جريدة الأخبار قائلة : ( إننا نشكر بلسان الحجاز وجيوشه حضرة الوجيه عبد العال .. على هذه العواطف النبيلة ) جاء ذلك في العدد 105 من القبلة الصادر يوم الاثنين 2 ذي القعدة من عام 1335 هـ / الموافق ل 19 أغسطس / آب من عام 1917 م .
ردود الفعل على فتح العقبة والانتصارات :
واصلت» القبلة « متابعة التطورات وردود الفعل على الجبهة وفي الصحافة ، ففي العدد 111 من القبلة الصادر يوم الاثنين 23 من ذي القعدة من عام 1335 هـ / الموافق ل 8 سبتمبر / أيلول من عام 1917 م ذكرت مديرية عموم البريد والأسلاك البرقية أنه بظل صاحب الجلالة الهاشمية ملكنا المعظم قد تأسس بريد رسمي إلى ثغر العقبة الذي تخفق عليه الراية الهاشمية المنصورة ، وأضافت : ستقبل إدارات البريد الهاشمية من الآن فصاعدا كل المكاتبات العادية والمسجلة لذلك الثغر . وفي نفس العدد ورد خبر منسوب إلى وكالة رويتر نقلته القبلة ، وفيه بلاغ من نظارة الحربية الإنجليزية عن الانتصارات الهاشمية في المدة الأخيرة ، وأشارت القبلة إلى أن كل صحف مصر والسودان والهند وجريدة الأوقات البصرية وغيرها من الصحف نقلت هذا الخبر من وكالة رويتر ونشرته ، وهو صادر من لندن « لوندره « وفيه تقول نظارة الحربية البريطانية : ( أعلنت وزارة الحربية الإنجليزية أن الجيوش العربية قامت بحركات حربية متسعة النطاق ، فدمرت قسما من الخطوط الحديدية في شمال المدينة المنورة ، واستولت على مواقع للأتراك ، وقد توفق العرب غير مرة للتغلب على قوات تفوقهم عددا ، وقتلوا سبعمائة من الأتراك وأسروا سبعمائة أخرى في مقاطعة معان وحدها ، وغنموا أربعة مدافع من مدافع الميدان ...) ومن الطبيعي أن تبدي نظارة الحربية البريطانية اهتمامها بكل ما يجري على الجبهة وبأخبار جيش الشمال وهي متورطة في ميادين القتال في الحرب العالمية الأولى ، وكل ما يجري على الجبهة وداخل حدود الأراضي التركية يترك أثره على سير المعارك عالميا .
الاستيلاء على وادي موسى :
وفي العدد 113 من القبلة الصادر يوم الخميس 26 ذي القعدة من عام 1335 هـ / الموافق 12 سبتمبر / أيلول من عام 1917 م أوردت القبلة نص البرقية الواردة من الأمير فيصل للحسين بن علي وفيها يبلغه بخبر الاستيلاء على « وادي موسى « وفيها : ( انتزعت الجيوش الهاشمية وادي موسى من أيدي القوة المتغلبة واستولت على تلك الجهات ، وقد حاول الأعداء استرداد تلك الناحية فقاموا بهجوم خسروا فيه أربعين قتيلا وارتدوا عنها بالخيبة والفشل ) ومن المعروف أن أهالي وادي موسى انتصروا لجيش الأمير فيصل بقوة وساهموا مع الجيش في دحر الأتراك ، وقد أوردت القبلة تعقيبا قالت فيه : ( « وادي موسى « أحد فروع « وادي العربة « وكان يسمى قديما « البتراء « وهي على مسافة خمسة وعشرين كيلومترا غربي عمان ونحو مائة وثمانين كيلومترا من العريش ومن غزة في جنوبيها ، وكان اليونانيون القدماء يسمونها « العربية الصخرية « وفيها آثار قديمة وبيوت منحوتة في الصخر ، وفيها ينابيع مياه غير غزيرة ، وقد سكنتها عمالقة النبط قبل اثنين وعشرين قرنا ، ولا تزال أسماء ملوكهم منحوتة على الأحجار ومنهم الحارث الأول وزيدأبل والحارث الثاني وعبادة الأول ورئبال الثاني ومالك الثالث ، ولبلدة البتراء أو وادي موسى مدخل من شرقها ضيق جدا يحف به من طرفيه جبلان عاليان حصينان جدا ، لا يمر منه أكثر من فارسين لضيقه ، ثم ينفرج الوادي فتبدو البلدة وآثارها ، ثم يعقبها من غربها مضيق آخر كالذي في شرقها ، والبتراء من الأماكن التي يقصدها السياح ، وكان السلطان عبد الحميد قد ضمها إلى أملاكه الخاصة ، وأهم آثارها قصر فرعون وخزنة فرعون والمسرح ، وعلى مقربة منها مقام نبي الله هارون عليه السلام )
أحببنا أن ننشر ما أوردته القبلة عن البتراء ووادى موسى ، لنقدم التصور القائم بين أهالي عام 1917م عن المنطقة ، ومن الأخبار التي تحمل أهمية خاصة في نفس العدد بمناسبة انتصارات الجيش العربي الهاشمي في جنوب الأردن بدءا من العقبة ووادي موسى ، ما جاء في القبلة تحت عنوان كبير يقول ( أعيان الشام في جيش سموّ الأمير فيصل ) حيث ورد ببرقية بعث بها الأمير لوالده من معسكره بأن الأمير عبد القادر الجزائري نجل الأمير علي باشا الجزائري فرّ من منفاه في بروصه بالأناضول والتحق بجيش فيصل بن الحسين ، وأضاف الأمير فيصل ببرقيته بأن عمر بك وفائز بك نجلا علي بك المؤيد العظم وغيرهم من أعيان الشام التحقوا بمعسكره ..وهذه الأخبار مؤشر على تأثير الانتصارات التي أحرزها جيش الشمال في جنوب الأردن على استقطاب الكفاءات العسكرية العراقية والشامية ، وعلى تعزيز الحالة المعنوية التي أصبحت في القمة ، وخاصة بعد سقوط معان .
التشكيلات الإدارية في العقبة :
أوردت القبلة في نفس العدد خبرا له دلالة كبيرة على سرعة استيعاب الحدث إداريا عند الشريف الحسين بن علي ، فتحت عنوان ( التشكيلات الإدارية في ثغر العقبة ) ورد ما يلي : ( نشرنا في العدد الماضي خبر تأسيس إدارة البريد في العقبة ، وقد جاءنا من فخامة نائب رئيس الوكلاء أنه بظل حضرة صاحب الجلالة الهاشمية بدئ بالتشكيلات الإدارية هناك ، وقد صدرت الإرادة السنية الملوكية بتعيين حضرة الفاضل الشيخ فائز الغصين وكيلا للقائم مقامية والشيخ محمد كامل شيمة قاضيا في محكمتها الشرعية ، والشيخ محمد الأسد مأمورا للرسوم ، وباشروا القيام بوظائفهم ) هذه الأخبار تشكل بناء مدروسا لنوعية الإدارة في الدولة الهاشمية ، فسرعة البت بربط ثغر العقبة بالخدمة البريدية والبرق ، وسرعة تعيين التشكيلات الإدارية ، واختيار نوعية ممتازة من الموظفين من أمثال الغصين والأسد مؤشر على وعي الإدارة والتوجه نحو بناء الدولة المدنية بامتياز ، ونحب أن نذكر هنا أن الغصين كان يتقن سبع لغات ...! .
توالي الأعمال العسكرية لجيش الشمال :
يمكن من خلال متابعة أعداد القبلة عام 1917 م ، معرفة تحركات الجيش بسراياه في جنوب الأردن ، ففي العدد 116 الصادر يوم الاثنين 14 ذي الحجة من عام 1335 هـ / الموافق ل 30 سبتمبر / أيلول من عام 1917 م وضمن زاوية « أعمال الجيش الشمالي « نص برقية الأمير فيصل التي تعود ليوم 8 ذي الحجة وفيها ( إن إحدى سرايا ميمنتنا هاجمت خط السكة الحديدية في جنوب « قلعة المدورة « بين معان وتبوك ، ودمرت قطارا ذا آليتين بخاريتين ، وقد قتلنا من الأعداء سبعين بينهم ضابطان ألمانيان ، وأسرنا منهم ثمانين ، واستخلصنا خمسة من جنود الجيش المصري كانوا أسرى لدى العدو ) وهذه هي المرة الأولى التي تتم فيها الإشارة لأسرى من الجيش المصري لدى الجيش العثماني .
وفي العدد 117 الصادر يوم الخميس 17 ذي الحجة من عام 1335 هـ / الموافق ل 3 أكتوبر / تشرين الأول من عام 1917 م وردت برقية من سمو الأمير فيصل تشير إلى نشوب قتال شديد بعد مهاجمة إحدى سرايا جيش الشمال لخط السكة الحديدية جنوب تبوك وقطع الخط ، وانتهى القتال بمحو خيالة الشركس عن آخرهم وكان يقودهم ميرزا بك ، وأكد الأمير ببرقيته بأن الجيش أوقف العدو عند وادي موسى بعد سقوطها بأيدي جيش الشمال .
استمرار القتال في وادي موسى :
في برقية للأمير فيصل نشرتها القبلة بعددها رقم 124 الصادر يوم الاثنين 13 محرم من عام 1336 هـ / الموافق ل 28 أكتوبر / تشرين الأول من عام 1917 م يفهم منها أن معسكر الأمير فيصل في وادي موسى ظل يتعرض للهجوم من جيش العدو ، (وأن الهجوم كان شديد استمر فيه القتال شطرا من الليل ، فتراجع الأتراك وغنم الجيش العربي أسرى وخيلا وبغالا ) ، وفي برقية لاحقة لفيصل نشرت في العدد 126 الصادر يوم الاثنين 20 محرم من عام 1336 هـ / الموافق ل 4 نوفمبر / تشرين الثاني من عام 1917 م أن معسكر جيش الشمال في وادي موسى تمكن من رد هجوم جديد ، وأن الجيش العثماني تراجع متقهقرا مخلفا أربعمائة قتيل وخمسين أسيرا ، وأضاف الأمير بأن الغنائم كثيرة لكن عدد الشهداء من الجيش وصل إلى الأربعين ، وفي نفس العدد وصلت برقية من الأمير زيد تشير إلى أنه توجه إلى العقبة .
كيف هزم العدو في وادي موسى ..؟
تحت هذا العنوان ، نشرت القبلة في العدد 129 الصادر يوم الخميس 30 المحرم من عام 1336 هـ / الموافق ل 14 نوفمبر / تشرين ثاني من عام 1917 م تفاصيل الواقعة التي سبق الإشارة إليها ، وفيها تقول : ( كنا قد نشرنا في عدد ماض من هذه الجريدة صورة برقية وردت من سموّ الأمير فيصل ينبئ فيها بأن جيوشه المظفرة صدت الأعداء في وادي موسى وهزمته شر هزيمة ، وكبدته خسائر فادحة ، وفي صباح أمس وردت إلينا تفاصيل تلك الواقعة في البريد ، فآثرنا نشرها ، وهذا نص ما ورد : « تجاوز العدو على معسكراتنا حول وادي موسى المعلومة أهميتها بثلاثة طوابير من المشاة وآلآى من البغالة وآلاى من الفرسان وبطاريتين مدافع وثمانية رشاشات وطيارتين تحت قيادة جمال باشا الصغير ، التي دافعت عن وادي موسى بقيادة القائد « مولود مخلص « وهي مؤلفة من مائتين وعشرين بغالا وخيالا ومائتي هجان ومائة من هذيل مع « الجرود « الجنود المحلية ، ابتدأ هجوم العدو الشديد في يوم 5 المحرم صباحا ، ودام القتال إلى قبيل العصر ، وكان النجاح فيه للأتراك بسبب شدة نار مدافعهم وطياراتهم ، ولكونهم تجاوزوا على مواقعنا من الشرق والشمال والشمال الغربي ، ولذا انجبرت قواتنا على الانسحاب حتى أخلت الوادي ، وعقب العصر ابتدرت جنودكم المظفرة بهجوم مضاد بمنتهى الشدة والبسالة ، ودام القتال إلى منتصف الليل وبإذنه تعالى هزم الله العدو شر هزيمة إلى أن عاد بخفي حنين إلى مواقعه القديمة وهي « بسعلة « و « الهيشة « بعد أن تركوا في مواقع الحركة أربعمائة بين قتيل وجريح وأربعين أسيرا وبنادق ومهمات نارية « جبخانه « وغير ذلك . خسائرنا تحقق أنها خمسة وعشرون شهيدا من جنود اللواء ، وعشرون من الجرود والمحلية وتخرب مدفع ورشاشة من تأثير نار مدفعيات العدو وطياراته ، والعدو مجبور على إجراء هذه الحركة بل وأعظم منها ، لأنه أحس بالتهلكة التي أحدقت به ، وسينتظر منه وقائع أعظم وأهم من هذه .) وعقبت القبلة على ما ورد قائلة : ( لا شك أن قائد هذا اللواء قد أظهر من المهارة والحذق وحسن التدبير ما يشكر عليه كما يظهر من انسحابه وإحجامه عن مقابلة الأعداء نهارا ثم رجوعه إلى مقابلتهم ليلا ، فإنه لما رأى تفوقه عددهم وكثرة ما لديهم من المدافع والمعدات ، انسحب ليحافظ على قوة جنوده المادية والمعنوية في بياض النهار ويستفيد منها في جنح الليل وتحت أستار الظلام حيث يكون بمأمن على قواته من تأثيرات المدافع ومقذوفات الطيارات ، لما هو معروف عن أبناء العرب من المهارة التامة في قتال الليل وقوة جسارتهم عليه وثباتهم فيه ، وقد قام فعلا بتنفيذ هذه الخطة المباركة التي كتب لها النجاح الباهر ، وقد ظهر فيها بأفضل تدابيره الحسنة وآرائه الصائبة « فالقبلة « تشكره على هذه الهمة وتثني على بسالته وشجاعة جنوده الأبطال .
وبعد ،
فهذه الحلقة التي تابعنا فيها ما نشرته القبلة عن الاستيلاء على العقبة ووادي موسى ليست مكتملة .. ما زال لدى القبلة الكثير عن الشوبك والمعارك التي دارت فيها ، وعن القائد مولود مخلص العراقي ، وما زال لدينا الكثير عن مواقف الشيخ عودة أبو تايه الذي كسر شوكة جمال باشا وأفشل مخططه لشق الصف في جيش فيصل بترغيب الشيخ عودة بالمناصب والعطايا ..سنقرأ في الحلقة القادمة كيف سقطت الشوبك بيد العرب وكيف أسقط عودة أبو تايه مخططات جمال باشا السفاح ، وحافظ على مواقفه الشماء التي حفظها له الدهر حية في قلوب الأردنيين وفي صفحات تاريخ الوطن .. تابعوا الحلقة القادمة من ذاكرة الثورة العربية الكبرى مع عودة أبو تايه الذي أهداه الحسين بن علي سيفا لبسالته في حرب العقبة ... إلى اللقاء