هل يملك شاعر معاصر جدارة الوقوف مزهواً بعبقريته الأدبية على نحو ما وقف المتنبي حينما قال:
أفي كل يومٍ تحت ضِبْتي شويعرٌ
ضعيف يقاويني قصير يُطاول
لساني بنطقي صامت عنه عادلٌ
وقلبي بصمتي ضاحكٌ منه هازِلُ
وأتعبُ من ناداك من لا تجيبهُ
وأغيظُ من عاداكَ مَنْ لا تُشاكِلُ
وما التيهُ طِبي فيهمو غيرَ أنني
بغيضٌ اليّ الجاهلُ المتعاقلُ
إن المتنبي ليحلق هنا في جَواءٍ او آفاق عالية تتقاصر دونها هذه القامات التي يزدحم بها المكان. وإنْ مما نراه في هذه الأبيات ان «نثر المنظوم» التماساً للتبسيط يُخِلُّ بِسَمْتِها ويذهبُ بطُلاوتها, وان الذين يعمدون الى هذه «الحيلة» فيما يسمونه نقداً هم أبعد الناس عن هذا الفن الصعب الذي يتطلب منهجاً وذوقاً ومعرفة هيهات يتم تمامها الا للذين يصبرون أنفسهم مع أسفار الأدب والفلسفة السنين الطوّل، والذين يتقلبون في تضاعيفها حالاً بعد حال..
ولو أننا وقفنا أمام أول هذه الأبيات وهو قوله:
أفي كل يومٍ تحت ضبتي شويعر
ضعيف يقاويني قصير يطاولُ
لأمكن لبعضنا ان يستبدل بالشويعر هنا نويقداً فيقرأ البيت على النحو التالي:
أفي كل يوم تحت ضبتي نويقدٌ
ضعيف يقاويني قصير يطاولُ
إذ بلغ من استهانة كثير من الخلقِ بالنقد ان اصبح مثل تلك الناقة التي:
هَزُلت حتى سامَها كلُّ مُفْلِسِ
ولقد كان لفساد حياتنا الأدبية (وهو مقترن بالضرورة بفساد الحياة السياسية وتدني الثقافة جملةً) دور مشهود في شيوع أنماط من النقد ستكون حين تتعافى العقول ضحكة الدارسين.
اما قول المتنبي:
لساني بِنُطقي صامت عنه عادل
وقلبي بصمتي ضاحك منه هازِلُ
فهو دليل على اشتمال الصمت الكظيم على أسباب السخرية التي تحمل من معاني الكبرياء المعرفي ما تحمل، وهو يذكرنا ببيت لأبي العلاء المعري يفوقه دلالة في هذا الباب يقول فيه:
وماذا يبتغي الجُلساءُ مني
ارادوا منطقي وأردْتُ صمتي
ولدى وقوفنا ملياً امام ثالث الأبيات وهو قوله:
وأتْعبُ من ناداك من لا تُجيبهُ
وأغيظُ من عاداك من لا تشاكِلُ
فإنّنا نخلُصُ الى حقائق نفسية يبلو مراراتها الذين نذروا أنفسهم لعظائم الأمور ونأوا بها عن صغائرها، ذلك أنّ مسافة خُلْفٍ لا تُعبَرُ تمتد بين هؤلاء (وقد جهدوا في ابتناء وعيهم وتحصيل معارفهم وتزكية أخلاقهم) وبين «أُهيل هذا الزمان» الذين طالما ذمّهم ابو الطيب ورأى إلى المفارقة القيمية بينه وبين دهمائهم وأوساطهم على حدّ سواء حتى بلغ به الأمر أن قال:
ومن عرف الأيّام معرفتي بها
وبالناس روّى رمحَهُ غير نادم
فليس بمرحوم اذا ظفروا به
ولا في الردى الجاري عليهم بآثِمِ
وهو قول يحمل من الشطط قدر ما يحمل من المرارة، وفيه مُتسع لمن اراد تحليل نفسيّة هذا الشاعر الكبير.
ثم لا يلبث المتنبي بعد إثبات المفارقة بينه وبين أهيل زمانه ولا سيما المتشدقون المتفيهقون المتشاعرون الذين يطاولونه ولا يبلغون من بحرهِ الا الثماد ومن تدفق عبقريته الا النزر اليسير، ان يقول:
وما التيهِ طِبّي فيهموا غير أنني
بغيضٌ اليّ الجاهلُ المتعاقل
اذا ليس من شأن الكبير ان يتيه على الصغار، ولكن «الجاهل المتعاقل» يُغضبه ويستفزّه.. وذلكم هو مُناخ هذه الأبيات ودافعها المؤكد..
مع المتنبي
12:00 25-9-2016
آخر تعديل :
الأحد