«تِخسَى يا كوبان ما إنت ولف لي
ولفي شاري الموت لابس عسكري
منذ شهور لفت إنتباهنا إعادة الإستماع عبر « اليوتيوب « الى أغنية وطنية قديمة للمطربة الاردنية الأولى « سلوى العاص « وهي أغنية : تخسى يا كوبان ما إنت ولف لي .. ولفي شاري الموت لابس عسكري .
لذا فما زال هناك تأكيد على أن الأغنية الأردنية في الزمن الجميل - في الستينات والسبعينات من القرن الماضي - كانت بمثابة توجيه معنوي حقيقي لمشاعر الاردنيين التي أشتهرت بالاعتزاز بالنخوة والشجاعة والبطولة .
كانت إذاعة عمان في ذلك الزمن بوصلة الإنتماء الوطني للأرض والملك والوطن في كل محافظاته وقراه وبواديه.
وكانت الاغنية الوطنية تبث قبل نشرة أخبار الساعة الثانية ظهراً وبعد نهاية النشرة تبث أغنية وطنية أخرى.
وبعد الانتصارات العظيمة التي حققها الجيش العربي في معركة الكرامة عام 1968وهم يلقنون العدو الصهيوني دروسا قاسية ، عاش الوطن الاردني سنوات طويلة من الأفراح بهذا النصر العظيم للقوات المسلحة الاردنية.
• مَن ألّف أغنية تخسى يا كوبان
و في مطلع سبعينات القرن الماضي جرى إعداد هذه الأغنية الشامخة التي كتب كلماتها بالتشاور والاشتراك مع الشهيد وصفي التل وحابس باشا المجالي و الشاعر الوطني حسني فريز.
وبعد أن فرغوا من كتابتها في يوم أحدٍ (وكان هذا هو يوم عطلة موظفي القسم الموسيقي في الإذاعة الأردنية)، طلب وصفي التل أن يتم إستدعاء الموسيقار الأردني جميل العاص فوراً لتلحين القصيدة – لتصبح أغنيةً .. وعندما لم يجد الفنان جميل العاص في منزله ، أرسل دوّرية أمن للبحث عنه ! وبالفعل وجدوه بعد ساعاتٍ من البحث على دوّار فراس العجلوني في جبل الحسين يأكل البوظة !! .
وأخبروه بأنه مطلوب للحضور حالاً إلى دار رئاسة الوزراء .
واستقبله رئيس الوزراء وصفي التل على الباب وقال له ممازحاً “وينك يا فصيح؟ احنا بندور عليك وانت بتوكل بوظه!؟”، وأدخله إلى المكتب وعرض عليه الكلمات مكتوبة و مسجلة على آلة تسجيل لأن بعض الكلمات ربما كانت صعبة أو جديدة على مسامع العاص !!.
ثم أخبره بأنه خصص له مكتبًا فيه علبتي سجائر وسخان قهوة والمطلوب أن لا يخرج من المكتب إلا وقد لحّن هذه الكلمات.
وبالفعل دخل الموسيقار جميل العاص إلى الغرفة المخصصة، وأغلق وصفي التل الباب واحتفظ بالمفتاح في جيبه، وجلس الجميع منتظرين أن يخرج جميل باللحن، ويُقال أنه في ذلك اليوم قدّم مجموعة من الألحان وظل يكرر المحاولات بطلب من وصفي التل حتى خرج باللحن النهائي الذي نعرفه اليوم.
والخطوة التالية كانت ان طلب الشهيد التل عازف مزمار مشهور من لبنان (محمود عزعوز) واستضافه في فندق الأردن لفترة اسبوع ليُجري البروفات والتمارين قبل تسجيل اللحن على آلة المزمار.
وفي يوم التسجيل وصل إلى استوديو الإذاعة الأردنية وصفي التل وحابس المجالي وصلاح أبو زيد ومجموعة من المختصين اللغويين من الجامعة الأردنية للإشراف على تسجيل الأغنية، وبالفعل تم تسجيلها بعد أن تعطل العمل لمدة يومين بسبب إشكالية حول كلمة (القنص) والحيرة بينها وبين تصريف آخر لها (القنيص) حتى استقر المختصون في النهاية على كلمة (القنص) .
ثم كانت الاغنية الشعبية الوطنية الرائعة التي شدت بها سلوى العاص أشهر مطربة في الاردن بصوتها الجميل الساحر .
وكان مخرج الاغنية حسيب يوسف بالابيض .
• القصيدة – الأغنية
تخسى يا كوبان ما انت ولف لي
ولفي شاري الموت لابس عسكري
يزهى بثوب العزّ واقف معتلي
وعيون صقر للقنص متحضري
« عبد الله « إنت نورالعين عِزٌ لي
جيشك يلبيني وعزمك مقدري !!
نشمي مجيد الباس سيفه فيصلي
مقدام ، باع الروح لله المشتري
هذا وليـــفي فــــارس ومتحفلي
كل النشامى ، تقول صولة حيدري
مدفع سبير الهاون إلنه جلجلي
يصدى رعود بالفضا تتفجري
وجبال دباب ٍ تغير وتنجلي
بعزها العالي ودحر المفتري
اليوم جى اللي بسمانا ينتلي
بنسور شهب ، كل غرم ٍ غشمري
حنا عن المطلوب ما نتحولي
ولا بد خشم الغادر ما يتعفري
نار الغضا والغيض جمر مشعلي
يصلى بحور سمومها المتجبري
مسرى النبي نادى بصوت المبتلي
وين النشامى فوق خيل ٍ ضُمرّي
وهكذا فقد تقرر ان ترد هذه الاغنية على حمى الهجوم الأعلامي الذي كان
يتعرض له الاردن من معظم محيطه ..لذا فقد استطاع السياسي المثقف وصفي التل ان يواجه بأغنية .. ألف تعليق سياسي ؟ !
* * وصفي التل وفكرة الأغاني
كوبان : كلمة كردية تعني الجبان.
ضمري : الخيل المضمرة .
الكون : كلمة بدوية قديمه تعني الحرب .
هذا وقد وُلد وصفي التل في 1919 م في كردستان العراق وأمه منيفة إبراهيم بابان, من أسرة بابان الكردية العريقة التي حكمت مناطق ما يعرف بكردستان الكبرى .
و كوبان هو مجرد اسم علق في ذاكرة طفل كانت أمه تهدهده على أنغامها لينام، ظلت الكلمات الاولى راسخة في ذهن الطفل ليستحضرها يوم صار رجلا يحمل هموم السياسة والوطن الاردني الغالي .
( تخسا يا كوبان ما أنتَ ولْف إلي ولفي شاري الموت ولابسْ عسكري ) إنها أغنية مجدٍ وعزةٍ تلقاها الشعب هنا بشــَـغَفٍ وحماسٍ، ومازالتْ تلكَ الأهازيجُ والأغاني الَّتي فتحتَ البابَ أمامَها على مصراعيهِ تُنيرُ مَساءاتِ الوطن بالدَّوالي ومواسمَ الزَّيتون بعبقِها الشعب الأردنيّ الأصيل والكريم بأخلاقه وكرمه المعهود .
وكان الإعلامي المعروف محمود الشاهد قد أشار قبل سنوات الى أن : وصفي التل هو أحسن من قاد مسيرة الاعلام في الاردن ، مؤكداً ان له بصمات في إذاعة المملكة الاردنية الهاشمية .
• لوحي بطرف المنديلِ
ومن جانب آخر هناك أغنية شعبية قديمة رائعة كان قد غناها النمري في خمسينات القرن الماضي وهي «لوحي بطرف المنديل إمشنشل برباع » .. فحكايتها أن المرحوم وصفي التل، حين كان مديراً للتوجيه الوطني المسؤول عن الإعلام تلك الفترة، فطلب من المطرب توفيق النمري والكاتب الإعلامي جورج حداد المرحوم التلاقي أمام الإذاعة الاردنية ، وحين التقوا، أخبرهم وصفي أنه كثيرا ما يدندن لحنا ً مع كلمات كان يسمعها في طفولته بالأعراس الحورانية حيث نشأته، وكانت الكلمات للأغنية مجهولة المصدر توحي بأجواء الحرب العالمية الثانية، والتي يبدو أن كاتبها المجهول تأثر بما يسمعه من إذاعة برلين العربية وقتها فكانت الكلمات تقول :
يا أم العرجة الغوازي والجنيديات
يخضعلك جيش النازي والولايات
عصمت إينونو وهتلر ليكي خدام
والجيش السابع والثامن للتحيات.
لذلك فقد تأثر وصفي التل هذا الفلاح الحوراني البسيط وقتذاك ، وظلت الكلمات وإيقاعها محفوراً في الذاكرة .
وعندما عاش في وطنه الاردن عاشقاً للوطن ولنهضته من كل النواحي حتى الفنية .. فقد رأى في محبوبته الاردنية القروية البسيطة ما يفوق كل معطيات الحرب العالمية الثانية من شخصيات وأحداث وقطع عسكرية ودول وأنظمة، فرأى ان تكون التحية والغزل للمرأة والطبيعة الاردنية بكلمات أخرى محلية رومانسية !.
لذا فقد كلف الفنان توفيق النمري باللحن، وجورج حداد بإعادة صياغة كلمات جديدة على نفس الايقاع الشعبي الجميل ، لكي يغنيها المطرب توفيق النمري ، والتي جاء في مطلعها الكلمات الغنائية التالية :
لوحي بطرف المنديل إمشنشل برباع
يَم رموش الطويلة وعيون إوساع
ميلي يا حلوة ميلي مطرق رمان
تمشي وسط الخميلة يضحك نيسان...الخ .
وكان الفنان توفيق النمري من أصدقاء الشاعر»عرار» ، وشهد بعضاً من أمسيات الطرب والسمر في الحصن وإربد ، مع «عرار» وأصدقائه قديماً في أربعينات القرن الماضي .
سلوى العاص وذكريات أغنية وطنية
07:30 22-9-2016
آخر تعديل :
الخميس