لا يوافي الشعر كل حين ولا يلبي عند تطلا به النداء. بل قد يصبح قلع ضرس – كما يقول الفرزدق – اهون من سنوح معنى بقافية, أو توهج عاطفة بايقاع, أو توارد صور معجبة بمداد وقرطاس.
قلت لصاحبي الذي يشبهني, وكان يساور الشعر احياناً, ماذا يحضرك في بلادك التي تحب وتفتدي. وهل تملك من فورك هذا ان تقول فيها ابياتاً؟
قال: أتسمح لي قبل ذلك بورقة وقلم انتحي بهما جانباً دقائق معدودات ثم آتيك بما تريد..
قلك: لك ذلك.
وما ان عاد حتى قرأ عليّ ما يلي:
هذي الديار ومن يكون سواها
تهب الرجال وتدفع الاشباها
بلد صناعتها النجوم وليس في
ابنائها من لا يروم علاها
اسباط اشياخ ونسل فوارس
وبناة امجاد وقيد ذراها
هم اهلي الدانون ما من مثلهم
ابداً وهم اسوارها وحماها
قلت: كيف تأتى ذلك – اقصد هذه الابيات – في مثل هذه السرعة؟
قال: هي معان تحوك في الصدر وتترقب مناسبة للافصاح. فما رأيته من امرها الساعة هو زمن التعبير لا زمن الوجدان والتفكير.
قلت: لا ريب ان مذخورك من معجم اللغة وألوان تراكيبها واساليبها, ومرانك الذي أعتدته.. كل ذلك تظاهر وتظافر في هذه الدقائق فكان هذا «النظم» الذي قد لا يكون نصيبه من «الشعر» الا قليلاً..
قال: هذا ما لا اماريك فيه, فللشعر الحق مداخل ومخارج غير هذه وآفاق وآماد غير ما سمعت.
قلت: وهل للوطن مكانة يتبوّأها في هذه الافاق؟
قال: إن صح الارتباط الوجداني به ولم يكن مجرد عنوان تمارس تحته الطقوس.
قلت: هذا حديث قد يطول.
ثم افترقنا, واجتمع في الخاطر من حوارنا اسئلة كثيرة..
شعر ووطن
12:00 21-9-2016
آخر تعديل :
الأربعاء