سياسة هدم منازل الفلسطينيين في الأراضي المحتلة لها عدة أسباب، منها ما هو ظاهر للعيان، ومنها ما هو خفي، فإسرائيل تريد التأكيد للفلسطينيين والعالم على أنها هي وحدها صاحبة القرار في القدس وفي الضفة الغربية المحتلة، وأن هذه أراضيها التاريخية، وليست أراضي متنازع عليها، أو أراضي محتلة.
وتعتمد إسرائيل في عمليات هدم البيوت، على قوانين يصدرها الحكم العسكري والإدارة المدنية، والاعتماد على قوانين الطوارئ، والقوانين العثمانية، والهدف الرئيسي من هدم البيوت، ونهب الأراضي وزرعها بالمستوطنات، هو تقويض إقامة الدولة الفلسطينية، ففي ذروة الانتفاضة الثانية عام 2000، عقد المعهد الإسرائيلي للديمقراطية- بمشاركة قادة من الجيش الإسرائيلي، إضافة إلى مسؤولين حكوميين- اجتماعاً جرى فيه البحث في هدم منازل الفلسطينيين، أهدافها نتائجها جدواها وأبعادها، فقد شكك المجتمعون بنجاعة سياسة الهدم، كوسيلة لردع المقاومين ضد الاحتلال، وأوصى الاجتماع بالتوقف عن هدم المنازل، لكن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لم تصغ لهذه التوصية واستمرت بسياسة الهدم، التي بدأت بممارستها منذ عام 1967.
في بحث قانوني أجراه كل من البروفيسور «عميحاي كوهن»، والمحامية «طال ممران»، توصلا إلى إشكالية هدم المنازل، واستخدامها كعقوبة رادعة ثبت عدم فعاليتها وجدواها، حسب الدراسة، فهي لا تؤدي إلى الردع، بل أن نتائجها زرع الغضب والكراهية وتأجيجهما، الأمر الذي يؤدي إلى الرغبة في الانتقام أكثر من الردع، ومثالاً على ذلك، فإن الصبي الصغير الذي يرى بأم عينيه هدم منزل عائلته، هو لن يرتدع بل سيميل إلى الانتقام من الاحتلال، حسب الدراسة.
إسرائيل هدمت منذ عام 1967 وحتى اليوم، وفقاً لتقرير «الأورومتوسطية»، نحو (50) ألف منزل ومنشأة فلسطينية في الضفة الغربية المحتلة، وطال الهدم قرى وأحياء بكاملها، وهذه السياسة مستمرة، ومن أهدافها تشتيت المواطنين، وإقامة المستوطنات، وحسب وكالة سما الإخبارية الإسرائيلية هدم الاحتلال في الأشهر الستة الماضية من هذا العام، (168) منزلاً، وفي تقرير لمنظمة بتسيلم الإسرائيلية الحقوقية، تؤيد ما نشرته وكالة سما الإخبارية، وسجلت الأمم المتحدة ارتفاعا بنسبة 40% في عمليات هدم المنازل في القدس فقد هدمت إسرائيل منذ عام 1967، أكثر من «2814» منزلاً مقدسياً، مع أن الأمم المتحدة والمجموعة الأوروبية ودول عديدة، تشجب سياسة هدم المنازل ومصادرة الأراضي والاستيطان، لكن إسرائيل تتجاهل جميع هذه الاحتجاجات.
لقد طلبت الأمم المتحدة بتاريخ «18-2-2016»، للمرة... من إسرائيل التوقف فوراً عن هدم المنازل في الضفة وبخاصة في منطقة «ج»، التي تشكل 60% من مساحة الضفة فمنسق الأنشطة الإنسانية والإنمائية للأمم المتحدة، كشف أن عمليات الهدم تتم على أسس قانونية زائفة، وأن 1.5% فقط من طلبات الفلسطينيين للحصول على تراخيص تحظى بالموافقة، مقابل 98% من طلبات الترخيص يجري رفضها، وحسب هذا المنسق «بيير فان»، فإن القانون الدولي واضح، وهو أن للفلسطينيين الحق بالحصول على السكن اللائق، بينما تجري عمليات الهدم بمعدل مثير للقلق، وعلى الرغم من الاحتجاجات المتكررة، تواصل إسرائيل سياسة الهدم، لتفريغ الأرض من سكانها، فهي تريد الأرض دون سكان، وحسب «بيير» فقد هدمت إسرائيل بحجة البناء غير المرخص عام 2015، في منطقة «ج» (539) مبنى، وفي عام 2016 (580)، فالمزاعم الإسرائيلية لتبرير سياستها كثيرة، منها الإعلان عن الاراضي مناطق عسكرية، رغم أن تقارير محايدة تفيد أن 80% من هذه المناطق التي يجري مصادرتها، لا تستخدم للأهداف والمناورات العسكرية، بل يجري تحويلها في وقت لاحق للمستوطنين، وعلى سبيل المثال فقد أعلنت إسرائيل عام 1970 عن مساحة 18% من الضفة الغربية مناطق عسكرية، ومناطق للتدريب، لكن وحسب التقرير فإن
(50) مبنى يهدم شهرياً، وكل ذلك يندرج في سياسة التهويد وبخاصة للقدس الشرقية، فإسرائيل تلجأ إلى المادة «119 (1)» من أنظمة الطوارئ الانتدابية لعام 1945، في عملية هدم أو إغلاق المنازل، فيما المادة (53) من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 تحرم تدمير الممتلكات، وأن عمليات الهدم تعتبر انتهاكاً صارخاً لنص المادة (17) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وأخيرا... إلى متى ستبقى إسرائيل خارج نطاق القانون الدولي.
إن هدم المنازل الفلسطينية، ليست سياسة عقابية فحسب، بل هي جزء من إستراتيجية إسرائيلية، لطرد الفلسطينيين، والاستيلاء على أراضيهم على جرعات متتالية، ففي النقب تعمل السلطات الإسرائيلية على الاستيلاء على عشرات آلاف الدونمات من أصحابها العرب البدو، لإقامة المستوطنات والقواعد العسكرية، فقرية العراقيب البدوية في النقب، جرى هدم هذه القرية (102) مرة على التوالي كان آخرها بتاريخ 18-8-2016، ويقوم سكانها ببنائها من جديد، مع أنهم مواطنون إسرائيليون يحملون الجنسية الإسرائيلية، فوزير التربية والتعليم الذي وضع برنامجاً لقيام الطلاب بزيارة متاحف المحارق النازية في بولندا، كان عليه أيضاً توجيه الطلاب لزيارة المحارق الإسرائيلية، ومصادرة الأراضي، وهدم قرى بكاملها، في الضفة وفي النقب، فعن أي مفاوضات سلام يتحدثون؟