كتاب

انتباهة وفعل تنوير

لا ريب ان هذه مرحلة مضطربة صعبة، يؤفك فيها الناس عن عقولهم وتزيغ منهم البصائر فلا يكادون يتبينون حقيقة من وهم، ولا واقعا من خيال، ويهيمون في طخياء مظلمة خفية المسالك، ما لهم فيها من رائد ولا دليل، قُصارى امرهم التلاوم والتغابن والتصارخ، ومنتهى ما يبلغه الناظر في حالهم انهم في ذهول عما هم فيه، وان زمام مقادتهم في الغالب الى جهالهم وضعفائهم ومغامريهم، فهم مخاريق بأيدي اللاعبين على ما هم فيه من ضياع مؤكد وضلال مبين.

هذه رؤوس مسائل وعنوانات ابواب حَسْبُ، وهي جديرة بان يترسل فيها المترسلون وان يردوا مجملها الى المفصل من موجعات المضامين ومعجبات التلاوين، ولكن ما نبادر الساعة الى الاشارة اليه من ذلك هذا النفاق المتفاصح او هذه الفصاحة المنافقة التي تجيش بها المطامع وتلبس لبوس التقوى والغيرة على الامة ويتنادى ازلامها وينتدون، كأنهم الى نصب يوفضون، ولا يكون من تداعيهم الا مزيد كيد ومزيد تخسير ومزيد توهين.

يقول احد الفلاسفة انك اذا امسكت بحجر مقذوف في نقطة من مساره وكان يملك ان يتكلم لقال لك انه منطلق بخياره الحر. وتلك هي حال كثير من المدفوعين في المسالك الخفية التي جاء ذكرها آنفاً، ولا يغرنكم اللافتات المرفوعة حيث يوزعون، فقد نبهنا القرآن الكريم الى اولئك الذين بنوا «مسجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين»، كما نبهنا رسول الرحمة محمد عليه صلوات الله وسلامه الى اولئك الذين ظاهرهم الاسلام وباطنهم الكفران، ممن قد نحقر صلاتنا الى صلاتهم وصيامنا الى صيامهم، فنحن في ضوء هذا الهدي لا تخدعنا الصور والاقوال عن دلالات الافعال، والافعال – فيما نشهد – اثيمة لا تتواشج بأية رابطة مع الاسلام، بل تدخل في باب الكيد له والائتمار به، وكم تقوم الادلة على ذلك.

ولئن كانت هذه هي احوال الذاهلين والمنافقين والجاهلين فان ثمة من يمثلها جميعا ومن تجتمع فيه سوءاتها، فان تكن انتباهة فلتكن على هذا كله، وان يكن فعل تنوير فليكن في وجوهه المظلمة جملة وتفصيلا.