مقدّمة - عز الدين المناصرة، صوت شعري متميز، داخل الحركة الشعرية العربية المعاصرة، عمد إلى الصيغة التغريبية لبناء القصيدة الحُرّة، وقصيدة النثر، مكتفيا بإيقاع التجريب في البنية الصوتية، وتغريب الصورة الشعرية، التي تجمع بين الوقائع الغريبة في ابتكار قصيدة «التوقيعة»، وبين واقع معاش ليوميات الإنسان الفلسطيني، حيث سلك إيقاعية مدهشة رائدة، تعتمد التوقيع اللغوي، مع غرابة المفارقة، وأسلوب السخرية اللاذعة، الحارقة كالجمر، الخارقة كالرصاص.
والتميز والتجريب الآخر، هو استخدام المناصرة للأغنية الشعبية في شعره. وله طريقة احتفالية في إنشاد الشعر، بدأها عام 1981، تختلف اختلافاً كلياً عن الشعراء العرب الآخرين، حيث استخدم الأصوات المتعددة، بما يشبه (البيرفورمانس)، أي الأداء الاحتفالي التمثيلي. وقد قلّده شعراء آخرون في عملية الإلقاء، لاحقاً. فهو يتلو قصيدته، ليعمل على إسهام المنصت في تلاوتها، ليعطي تأثيرا له فاعليته لما بعد الاستماع، وهكذا يتحول النص الشعري عنده إلى وسيلة اتصالية، أشبه بالبرقيات. وبهذا استطاع، أن يفتح أمام قصيدته الآفاق الرحبة، عندما جعل منها قصيدة حداثية اتصالية جديدة، بما في الكلمة من معنى.
كان عز الدين المناصرة، أول من أطلق على (القصيدة القصيرة) لقبا عربيا، هو «التوقيعة / التوقيعات»، وهي القصيدة القصيرة المكثفة جداً. وقد بدأ في منتصف الستينيات، مستفيدا من نمط الشعر الياباني «الهايكو»، ومزج بين بناء الموروث (التوقيعات النثرية العبّاسية)، ولغة الحياة اليومية الهامشية، وشعرية التفاصيل. ويأتي عز الدين المناصرة بفرادة وخصوصية، قلَّ نظيرها في الشعر العربي، بتوقيعاته، والاحتفال الجديد بهذا اللون الجديد من الخطاب الشعري، شاهد عيان على تأثر فتوحات نهايات القرن. هذه التجربة: التوقيعة، جاءت تتويجا لمحاولات وإرهاصات، أسس لها في وطننا العربي الكبير بلا منازع، عزالدين المناصرة، بشهادة كثيرين.
وقد أشار إحسان عباس إلى ممارسة المناصرة لقصيدة التوقيعة، واختلف معه حول التسمية، فقد سمّاها إحسان عباس (القصيدة القصيرة)، مثلما أطلق عليها عزالدين إسماعيل عام 1967 ـ الاسم نفسه. وهناك فارق جوهري بين النوعين، رغم انتمائهما إلى مجال واحد. فالقصيدة القصيرة، قد لا تكون مكثفة مثل: (التوقيعة). وهناك أمثلة شعرية، قدّمها عزالدين إسماعيل، وإحسان عباس للقصيدة القصيرة، لا علاقة لها بقصيدة (التوقيعة)، أو البرقية، أو الومضة التي سمّاها المناصرة. ومهما قيل في تعدد الأسماء، فإن أفضل تسمية، هي التي قدّمها المناصرة عام 1964، لأول مرّة، لأنّه اشتقّها من مفهوم (التوقيعات) النثرية في العصر العبّاسي، وهي ومضات نثرية مختصرة مكثفة، ومن قصيدة الهايكو اليابانية التي تعتمد صفاء الصورة. وبهذا امتزجت خصائص النوعين (التراثي والعالمي) في قصيدة التوقيعة المناصرية. وهنا يختلف نظام التوقيعة عند المناصرة عن القصائد القصيرة عند البيّاتي والحيدري، مثلما تختلف قصيدة التوقيعة عند المناصرة عن قصيدة الومضة التي انفجرت كموضة لدى شعراء قصيدة النثر منذ منتصف الثمانينيات، وحتى نهاية القرن العشرين. فالحقيقة الأولى، أن المناصرة، سابق لهم في مجال قصيدة التوقيعة ـ الومضة، زمنياً، والحقيقة الثانية، أن هؤلاء الشعراء قرأوا المناصرة، وتأثروا به، رغم إنكار بعضهم. والحقيقة الثالثة، أن المناصرة، استخدم مصطلح (التوقيعة)، بقصدية معلنة منذ النصف الثاني من الستينيات. وحسب علمي، لم يستخدم مصطلح (التوقيعة)، قبل ذلك، أي شاعر عربي. وبطبيعة الحال، نجد نزار قباني، يستخدم منذ عام 1967، أي منذ قصيدته (هوامش على دفتر النكسة)، مصطلح (البرقية ـ التلكس)، وهو مفهوم قريب من مصطلح المناصرة. وبالتالي، فإنّ محاولات بعضهم، إنكار ريادة المناصرة لقصيدة التوقيعة، لا جدوى منها، وتقع في باب التعصّب القُطري!!. فإذا جئنا إلى شعراء الجزائر مثلاً، نجد أنّ الشاعر عبد الله حمادي، أول من أدخلها إلى حداثة الشعر الجزائري، بتأثير من عز الدين المناصرة، وأردفه عز الدين ميهوبي بملصقاته، ثم جاءت قافلة واعدة من الشعراء الشباب، برزوا إلى الساحة في التسعينيات، بشكل لافت للنظر، من أمثال: نذير الطيار، وأحمد عاشوري، ومصطفى قاسمي، وحبيبة محمدي، والفيروزي الزيباني، وعقاب بلخير، وعاشور فني، حيث قاموا بتطوير آخر لشعرية الومضة / التوقيعة. ومعظم هؤلاء قرأوا شعر المناصرة.
إشكالية المصطلح..الومضة / التوقيعة / اللافتة / الخبرية / الهايكو
يُطلق مصطلح «الومضة» بداءة على هذا اللون من القصيدة الجديدة كل الجدة، ونعني بها صور الوميض، وصور البرق الخاطف، ونعي بها أيضا تلك الصور الشعرية، ذات الإشعاع القوي النافذ، والتي تتولد عنها إنارة مفاجئة في منطقة اللاشعور، فتترك بعد ذلك، انطباعا في الشعور لا يمحى. ومن ثم، فهي تشبه إلى حد بعيد وميض البرق، تلتقط في لحظة انبهار ضوئي، يكاد يغشى الأبصار، ولكنه ضوء يكشف عن جزيئات وحساسيات ذهنية في غاية الحدة؛ ناقدة ساخرة تهكمية.
وهذه الصور التي تعتمد الوميض أو البرق السريع، صور في منتهى الغرابة من حيث البناء الفني، إنها لقطات سريعة مفاجئة، يلتقطها الخيال ببراعة فائفة من مشاهدات الواقع، ويعقد بينها أواصر وثيقة ومنطقية، تهز الخيال بغرابتها، وما فيها من عنصر مفاجأة وإمتاع وطرافة ومفارقة وحسن تناول وجمالية تلق والفة.
ولعل أول خطوة في رسم مثل هذه الصور، هي أن يجمع الشاعر بين المعنى الحسي، والمعنى الذهني في لمحة واحدة، فتشتمل الصور حينئذ على العمق والسطح معا. المفهوم والإدراك الحسي للمفهوم، على التجربة وخلاصة التجربة(1).
أما قصيدة «الهايكو»، اليابانية فهي، عبارة عن مقطعة شعرية قصيرة، تتكون من ثلاث أبيات، أولها وآخرها من خمسة مقاطع، ووسطها من سبعة. إن هذا لا يعني التزام مقلدي هذه الكتابة عندنا حرفيا بهذه الشروط، ولكنهم ربما اهتموا بغنائية الموضوع، أكثر من احتفالهم بمعيارية الشكل، بسبب أن إيقاعية شعرنا ذاتية، لا إنشادية، قائمة على المقطعية (2).
وقد بدأ الاهتمام بترجمة نصوص الهايكو في العالم العربي منذ نهاية السبعينيات: (ويرجع أول اهتمام بترجمة لقصيدة «الهايكو» ـ إلى أواخر السبعينيات، مع نشر دراسة شاملة، مترجمة للباحث «تشامبرلين» في عدد مجلة «عالم الفكر»، الكويتية الخاص بالشعر عام 1979. وفيها تحليل مقتضب لفن الهايكو، ومنذ ذلك التاريخ، بدأت تظهر دراسات مترجمة، وقصائد هايكو في الدوريات العربية الخاصة بالآداب الأجنبية، ومنها ترجمة حسب الشيخ جعفر في مجلة «الثقافة الأجنبية» العراقية، وترجمة عدنان بغجاتي في مجلة «الآداب الأجنبية» السورية عام .1981 وصدرت عام 1997 مجموعة من قصائد الهايكو، بترجمة: صلاح صلاح عن المجمع الثقافي في أبو ظبي (3).
ويعرف عز الدين المناصرة «التوقيعة» بأنها: (قصيدة قصيرة مكثفة، تتضمن حالة مفارقة شعرية إدهاشية، ولها ختام مدهش مفتوح، أو قاطع أو حاسم، وقد تكون قصيدة طويلة إلى حد معين، وتكون قصيدة توقيعة، إذا التزمت الكثافة والمفارقة والومضة، والقفلة المتقنة المدهشة). أما مصطلح «توقيعة» ـ كما سبقت الإشارة ـ فهو مصطلح، وضعه عز الدين المناصرة عام 1964، حيث مارسه في قصيدة بعنوان (توقيعات)، قبل أن يتعرض له عزالدين إسماعيل (1967)، وإحسان عباس (1993)، لأنه نشر هذه القصائد في الصحف قبل أن تظهر في مجموعاته الشعرية، اعتباراً من العام 1968.
وهناك جمالية في قصيدة النثر، يمكن أن نطلق عليها «قصيدة الخبر»، حيث تتخذ القصيدة النبأ، مادة لها، يضفى عليها شعريته الخاصة. ومن المعروف أن الخبر الإعلامي، أبعد ما يكون عن الشعرية، بل إنّ الشعر، كثيرا ما يقابل بخطاب الجرائد والصحف. فالخبر والشعر، يكادان يكونان نقيضين، وجمعهما فنيا يحفز الذهن، لما فيه من تقاطع الأضداد. ومن مثل قصيدة الخبر، استخدام الشاعر المصري محمد صالح، للخبر أو النبأ، جاعلا منه أكثر من وثيقة، إنه يضفي على الخبر قيمة شعرية، ترفعه من مستوى الصحافة إلى مستوى الأدب. وتداخل الإعلامي بالأدبي، ليس جديدا في الرواية والمسرح، ومع أن قصائد محمد صالح تكاد تكون تلغرافية كما في نشرة الأخبار، إلا أنها على عكس الخبر، لا تقدم جوهره في المطلع، بل في الخاتمة (4).
البدايات..قصيدة «الومضات» في الشعر العربي الحديث:
تأثر شعراء القصيدة الحُرّة، وقصيدة النثر، الرواد بمؤثرات أجنبية عديدة، منها التأثر باستخدامات إليوت الشعرية. فظهرت أساليب جديدة في شعرهم؛ كاستخدام الصور الشعرية، دون أسلوب التقرير النثري، وتقنيات فنية جديدة، تعتمد «الومضات الشعرية» والتكرار، تهدف إلى إثارة التداعي الشعري، واستخدام الأسلوب القصصي الدرامي، والحوار والمونولوج. فاستخدم نمط التكرار وشعرية الومضة: السياب، وجبرا، حيث منح هذا المنهج قصائدهما، قدرا من الوحدة وانسجام النغم، «لأن قصيدة الشعر الحر النموذجية في الشعر الغربي، لا تتمثل في وسائل عروضية شكلية» (5).
وهكذا مارس أغلب شعراء الرواد في العالم العربي تقريبا، تقنيات وتجارب «الشعر الحر»، وأرهصوا بقصيدة «الومضات»، واستخدموا إيقاع الأفكار، بدلا من إيقاع القافية. وحاولت جماعة «شعر»، أن تتبنى بعض مظاهر الحداثة الغربية. كما تبنت «قصيدة النثر»، بومضاتها الإيقاعية وإلماعية الفكرة، وظل لهم تأثير قوي في الجيل الجديد. وقد أظهر فريق منهم في السبعينيات، ميلاً وتأثراً بومضات أدونيس الصوفية، عندما شعروا بالعزلة وباليأس من نهضة الأمة وانكسارها، فبرز في شعرهم القلق الوجودي، الذي مثل التجربة المشتركة بينهم جميعا، وشرعوا يغوصون إلى أعمق أعماق اللاعقلانية والمغامرة في الشكل (6).
قد يكون «توفيق صايغ» الآن، أقل الأسماء لمعانا بين شعراء الحداثة العربية، وشعراء قصيدة النثر خصوصا، لكن الأمر في الستينيات، لم يكن كذلك، فقد كان علامة بارزة بالنسبة إلى معاصريه من كُتّاب قصيدة النثر، فهو الرائد الفعلي لقصيدة النثر العربية. كان له أثره البارز، شأنه في ذلك، شأن جبرا إبراهيم جبرا مواطنه (كلاهما من فلسطين)، في تأسيس شعرية الومضة، وقد يكون هناك سبب أكثر أهمية، هو طبيعة كتابتهما؛ الصوفية المسيحية، بلفحاتها وومضاتها المشرقة، وفكرتهما العنيفة في موسيقى الشعر، وإصرارهما على قصيدة النثر، فحين صدرت أشعارهما لاتتضمن إلا قصائد نثر لماحة بومضاتها، لم تكن مجلة «شعر» قد ظهرت بعد (7).
تكشف قصائد الصورة، لنا، بناء صورها عن نقيضين، لكل منهما موقع مباين للآخر ومتعارض معه، بحضور القوي المميز. إن المستوى النفسي لهذه الصورة، وما يمكن أن يثيره من كوامن شعورية، تسعى لفهم الفاعلية الحقيقية لمختلف التطورات البنائية المتكاملة لوحدة التجربة الشعرية أو السياق العام «الفعلي»، الذي تنبني عليه خصوصية الموقف الشعري (8). عرفت حركة الشعر الجديد انعطافا تاريخيا جديدا، وشهدت تحولات فنية وفكرية، تتوافق والتحول الفكري الحضاري للعالم المعاصر، قام بها عدد من الشعراء الجدد، وعدد ممن قادوا الحركة الشعرية . وساعدت الظروف السياسية التي تمر بها البلدان العربية؛ حيث الإرهاب الفكري وانعدام الحرية، على اللجوء إلى الرمز والتوقيعات الناقدة، والومضات السريعة الخاطفة، يعبر الشعراء العرب بواسطتها عن تذمرهم من أوضاع بلادهم، وعن أملهم في بعث جديد ينتشلها من الموت (9). وتعتبر هزيمة العرب في حزيران 1967 من أبرز الأحداث، التي أثرت في حداثة الشعر العربي، وطبعته بطابعها الخاص، فساد جو الحزن والكآبة، والانكفاء على الذات لدى الشعراء بعد الهزيمة، بل إنَّ بعضهم اعتبر العالم، قد مات عام 1967، وجاءت أحداث لبنان عام 1975، وعادت القضية الفلسطينية بتداعياتها، فتحولت الأرض العربية إلى أنقاض خرائب، وراح الشاعر ينعب على أطلالها كالبوم والغربان، وأخذ الشعر، يفضح صانعي المأساة، ويعري التخلف العربي وهشاشة القيم الموروثة، أمام الحضارة الغربية. وتطلع شعراء جيل المأساة، إلى حداثة الغرب، ينشدون فعل التغيير؛ على مستوى البنى الفنية والشعورية والفكرية، وهذا ما نلاحظه على وجه الخصوص عند: سعدي يوسف، وأمل دنقل، وصلاح عبد الصبور، وفي شعر المقاومة الفلسطينية، عند: عز الدين المناصرة، ومحمود درويش.
نلمس في تجربة «سعدي يوسف» استنطاق «اليومي»، وإدخاله في شبكة من العلاقات السردية، التي تنتهي بانفتاح النص الشعري على عالم من الاحتمالات، وإمكانات التأويل، فنجد قصيدة «الأخضر بن يوسف ومشاعله»، تتوسل بلغة الومضة، وعنصر المفارقة والسخرية، وتستنطق ما هو منسي ومهمل، ما يقبع في العادي، إلى الصور الشعرية اللماحة والنافذة في الحياة إلى الأعماق.
وكان صلاح عبد الصبور، رائدا بحق من رواد الشعر العربي الحديث، فضلا عن دوره في إدخال لغة الحياة اليومية في القصيدة . ربما كان عبد الصبور أكثر الشعراء العرب المعاصرين، قدرة على التفرد بصوته الخاص، وأقلهم وقوعا في شرك الثبات على تيار أو عقيدة محددة، وبالرغم من إطلاعه الواسع على التيارات الفكرية العالمية، وبخاصة الفلسفة الوجودية، إلا أن أمرا واحدا، لم يستطع عبد الصبور أن يفلت منه، فوقع فيه حتى أذنيه. ذلك هو ما يمكن أن نسميه «فقدان المعنى»، فراح يبحث عن المعنى في شاكلة ومضات.
ولعل أمل دنقل، (وهو منافس المناصرة في مصر الستينيات) من شعراء الحداثة، الذين استطاعوا بخبرتهم العميقة للغة، وإيقاعاتها، تمثل هذا المزج بين صورة الومضة والصورة الجديدة، وظلت هذه النقطة الحادة، تستقطب طاقة دنقل، وتمثل بؤرة انصباب شعره. تأتي قصائده، لتمثل المنطلق الواعد، لهذا الحس الحداثي في التعبير والاقتراب من شعرية التوقيعة، فهي نص مدهش، يتبنى فيه الشعر مشهدا سينمائيا، ويصب دنقل كلماته المشحونة بنغم الرفض والسخرية والمفارقة، واستمر هذا المنهج مع دنقل طوال حياته الشعرية، أداة أساسية في إدراك تناقضات الواقع وصياغته، وقد اعتمد في شعره مواقف درامية موازية ، حتى يحتفظ لشعره بموضوعية، أو يحقق - المعادل الموضوعي .
ليس من المبالغة في شيء إذا قلنا إن ظاهرة وصول حداثة الشعر العربي إلى الجمهور بمعناه العريض، لم تتم إلا على أيدي الشعراء الفلسطينيين. وتكاد تكون تجربة حركة الشعر الفلسطيني، أفضل تيار شعري عربي في النصف الثاني من القرن العشرين، استوعب الحداثة الشعرية إلى أبعد الحدود، خصوصاً: الثنائي الفلسطيني الجميل: المناصرة ودرويش.
جسد محمود درويش، مأساة الوطن في رموز وومضات تذوب فيها المأساة، فتتحول إلى فضاء إنساني أرحب، جمع بين العام والخاص، بين الفردي والقومي والإنساني، وشكل الموقف عنده معادلا موضوعيا، على طريقة إليوت، وقد شعر النقاد، بشكل متواتر «... أن نموذج درويش الشعري، أضحى يمثل حالة فائقة في كثافتها وتركيزها المختزل، لأهم التحولات الأسلوبية في التجربة العربية المعاصرة» (10).
تقترب تجارب درويش أكثر فأكثر من الحداثة منذ أول التسعينيات، وأهم مميزاته الانفتاح على الأنواع الأدبية الأخرى، كالقصة والمسرح والدراما وغيرها، ولعب عنصرا الاستعارة البلاغية، والمفارقة، دورا هاما في تشكيل قصيدة درويش / التوقيعة الومضة، من حيث أنهما، ساعدا على تجسيم بعض المشاهد والمواقف الدرامية. يصور درويش في هذه القصيدة مناسبة من المناسبات اليومية، التي يلاقيها الفلسطيني على جسر العودة إلى الوطن، فيستعين بعنصري المفارقة والاستعارة البلاغية، ويرتفع بهما إلى مستوى التعبير الشعري الإنساني.
يشكل عز الدين المناصرة إلى جانب نزار قبّاني، مظفّر النوّاب، أمل دنقل، وأدونيس، شعراء الرفض الوجودي، بعد هزيمة 1967، والهزائم التي توالت على العرب، وأغلبهم يملكون تجربة عميقة، وتمرسا وفهما للحداثة؛ سواء في التشكيل الموسيقي، أو التصوير، كما استطاعوا في محاولتهم التوفيق في إيجاد معادل موضوعي شعري، عبر عنصر المفارقة والسخرية الحادة.
ويلقانا في هذه المرحلة الحاسمة من حداثة القصيدة الحرّة، وقصيدة النثر، عز الدين المناصرة، الشاعر ، والمسكون بفتوحات الحداثة، التي تتبدّى عنده في المواقف الفاصلة، كما أنه يبحث دائما عن التجربة، ومن ثم يرحل ويرحل في عبقرية المكان والإنسان. وبأسلوبية شعرية خاصة ومميزة، يستقطب، ويؤسس لقصيدة «التوقيعة» في الشعر العربي المعاصر.
الشاعر عز الدين المناصرة، يكتب قصيدة التفعيلة الحرّة، ويكتب قصيدة النثر كإشكالية نص مفتوح وعابر للأنواع، ويتشاكل مع الخطاب الشعري الاتصالي، والشاعر في الوقت ذاته، منفتح على الآخر، لكنه ينطلق من نرجس ذاتي وطني جماعي ـ على حد تعبيره في تصريحاته ـ لهذا تتمحور تجربته الشعرية، حول فاعلية «حداثة الفكرة الجوهر»، بالرغم من أن أكثر الشعراء المجايلين للشاعر من زملائه الشعراء العرب، يرددون هذا التصور نفسه من الناحية النظرية، لكن الممارسة الشعرية، تكون عندهم، متناقضة.
- وعلى سبيل المثال شعرية التوقيعة: عندما أطلق المناصرة في الستينيات مصطلح «توقيعة» على بعض قصائده القصيرة المكثفة المركزة، ذات الختام الحاسم المفتوح، انتبه الناقد المصري الراحل، علي عشري زايد، لهذه الظاهرة في شعر المناصرة، ونوه بها. لقد انطلق الشاعر من مفهوم «التوقيعات» في العصر العباسي، ثم أردفها عندما اكتشف نوعين من الشعر الياباني، يشبهان التوقيعة هما: «الهايكو»، و«تانكا».
وبهذا يكون عز الدين المناصرة في ريادته لشعرية «التوقيعة»، منذ منتصف الستينيات، قد انطلق من الأنا العربية، هنا حدث لدى الشاعر المبدع المبتكر، تفاعل حر وفيه خيار، على عكس التفاعل الإجباري الذي يحدث في أغلب الحالات (11).
كان للمناصرة، قصب السبق في التأسيس، لهذا النمط من القصيدة «المفرقعة»، القنبلة الموقوتة، كما أثر بوقائعه الغريبة وتوقيعاته، في جيل كامل من الشعراء، مشرقا ومغربا: أحمد مطر، ومظفر النواب من العراق، وسيف الرحبي من عُمان، ونادر هدى (القواسمة)، وزياد العناني من الأردن، وروز شوملي، ومحمد لافي من فلسطين، وعبد الله راجع، ومحمد بن طلحة، وحسن نجمي، ومحمد بوجبيري، وجلال الحكماوي من المغرب، مثلما سبق له، أن أثّر في قصيدته الطويلة (مذكرات البحر الميّت، 1969 (في (قصيدة صور) لعباس بيضون عام 1974. ومنذ أوائل الثمانينيات، استطاع المناصرة، أن يجذب زميله محمود درويش إلى حقله الكنعاني الخاص، فقد انتقل إليه درويش في التسعينيات: (تناصّ العنوان) مثلاً.
ويمكن أن نعد الجزائري الشاعر عبد الله حمادي، شمشون القصائد الغجرية، أول من أدخلها إلى حداثة الشعر الجزائري، متأثراً بالمناصرة، ثم أردفه: عز الدين ميهوبي بملصقاته، ثم جاءت قافلة واعدة من الشعراء الشباب، أفراس حمر وخضر، برزوا إلى الساحة في التسعينيات بشكل لافت للنظر، من أمثال: نذير الطيار، في «مطريات جزائرية»، وأحمد عاشوري، القادم مع نهر السيبوس، والمسكون بشعرية الهايكو وأوراق البرواق، وبحب الرمان ومروج السوسن، ومصطفى قاسمي، القادم من أعالي الجبال، بتوقيعات أوراسية، وحبيبة محمدي، الضائعة بين المملكة والمنفى بشروخ الوجه ، والفيروزي الزيباني، في توشيمات على أنهر أسبوعية الأطلس.
وتعد قصيدة عقاب بلخير «تغريبة السندباد» قمة التصوير الخاطف، الذي يعتمد الومضة والتركيز الشديد، (ولعلّه من تلامذة المناصرة في جامعة قسنطينة في الثمانينيات). ويظهر عاشور فني في قصيدته (زهرة الدنيا)، نموذجاً آخر لشعرية الومضة، وهذا النص ومضة شعورية مجسدة في قالب دقيق، يتلاءم مع نفسية القارئ والمتلقي المعاصر، التي تميل إلى السرعة والتركيز في الطرح، والقصيدة تمثل مغامرة على مستوى الشكل، والتصميم الجيد على مستوى الإخراج الفني، إنها تعتمد الانثيال العقوي على شريط قزحي من صور الوميض، التي تشع في سماء النص، النابض بهموم الإنسان الجزائري والعربي، المسكون بأزمات عصره المختلفة، تاركة انطباعا في الشعور، لا يمحى، حيث تقوم على الجمع بين أشياء متباعدة، بواسطة تيار من الأحاسيس المركزة (12).
ويكتب أنسي الحاج، اللافتات الفلسفية على نحو قصيدته «غيوم»، وفيها بحث عن خلاصة فلسفية تأويلية للأشياء، وفيها درجة عالية من الشاعرية، إذا تصورنا أن المفارقة واتحاد المتناقضات، هما أساليب شعرية، في حين قد يهيمن المنطق الفلسفي أكثر على سطور أخرى من هذه اللافتات، لكن نص أنسي الحاج لا يسير وفق المفارقة البلاغية التقليدية حرفيا، إلا أنه يعيد تشكيلها من جديد.
أما فاضل عزاوي في قصيدته «قبر سياحي يحلم بالخلود»، فيقدم لافتات خلاصة الحكمة، مندغمة بالصور الغرائبية، وترسم حالة من خلال القول الشعري واللغة الشعرية، وكذا الإدهاش الصناعي. نص فاضل العزاوي يسخر من عبثية الخلود، وهو صرخة بعد فوات الأوان في مواجهة القهر، الذي كان قد حدث ولا نملك تغييره إلا في اللغة.
ومن العراق يمثل الشاعر مظفر النواب، قصيدة التوقيعات، البيان، اللافتات، بكل جدارة. فهو منذ أكثر من عقود ثلاثة، يتنقل بين المنافي، حزينا لفراق وطنه، بين دمشق وليبيا، لا يجد الشاعر بديلا عن عراق، ما زال يردد شعره: «وتريات ليلية»، وبقية شعره المحرق: (لا أستثني منكم أحداً(، فيرش الملح على الجرح المفتوح. لذا كان شعر مظفر النواب، يقرأ في السر، وتهرب دواوينه تهريب البضاعة الممنوعة، مثلما منعت قصائد المناصرة طيلة ربع قرن، وكان يتم تهريبها أيضاً عبر الحدود.
إضافة إلى هذا الالتزام الحداثي، نجد شعر التوقيعة عند مظفر النوّاب، يمثل الحداثة أحسن تمثيل، فاختلاف أطوال الأسطر، التي قد تتراوح بين كلمة واحدة في أول السطر، في وسطه، أو في آخره، قائمة بذاتها، أو امتداد السطر إلى آخر الصفحة، كل ذلك مما يشير إلى التحديث في شكل قصيدة النثر / اللافتة ، الذي يقوم على المعنى وما تقتضيه الصورة (13)
ويكتب زياد العناني، قصيدة النثر، حيث أصدر ديوانه الأول: بعنوان «خزانة الأسف» عام 2000. ونجد في قصائده النثرية، نصوصا طويلة وتوقيعات، وهو يميل إلى التكثيف، حتى وهو يمارس السرد في بعض المواقع من نصوصه الطويلة نسبيا.
أما نصوص روز شوملي، فهي أكثر كثافة إلى درجة التركيز، لكنها تدور حول الفكرة الشعرية، التي تنفجر أولا، لتبحث عن صياغة لها أشبه باللافتة ـ التوقيعة -، لكن الدهشة تأتي من الفكرة الشعرية، وليس من اللغة الواقعية (14)
ويكتب صلاح فائق، بالطريقة نفسها، مقاطع شديدة القصر، تنتظم في نص طويل يضع له عنوانا عاما، يفسر بؤرة انبثاق النص، أو الحالة العامة التي حرضت الشاعر على الكتابة، ونحن نعثر على هذا النمط من أنماط قصيدة النثر في معظم مجموعاته الشعرية، ومنها نص «ومضات». التي تمثل السطور الثلاثة الأولى فيه بناء قصيدة الهايكو، بصورة نموذجية.
- أما في المغرب الأقصى، وبحلول عقد التسعينيات، ستظهر شريحة معظمها قد تخرجت في الجامعة، ويملك بعضهم مؤهلات إبداعية قابلة للاستمرار والعطاء، ويكتبون قصيدة النثر بتلاوينها الجديدة: التوقيعة، الهايكو، من هؤلاء: حسن نجمي، ونجيب خداري، ومحمد بوجبيري، وجلال الحكماوي. إنهم ينضمون جميعا إلى جمالية القصيدة النثرية بإغواء مقدرتها التكثيفية، وملاءمتها لتطريز تلاوين المعيش ومفارقاته، متمثلين نماذج شعرية التوقيعة، ومتأثرين بأسلوبية «عز الدين المناصرة». في المقدمة في توقيعاته وفتوحاته وشعرية الهايكو، ومتمثلين، فاضل العزاوي، وسرجون بولص، وغيرهم (15).
وينتسب سيف الرحبي إلى تيار في قصيدة النثر، يعمل على تصعيد اليومي واقتناص اللحظات المكثفة الشديدة الدلالة، وهو منذ مجموعته الأولى «نورسة الجنون»، يقدم القصيدة القصيرة الشديدة الكثافة، التي تقترب من قصيدة التوقيعات والهايكو، كما أسّسها عز الدين المناصرة. في تركيب قصائده يعتمد سيف الرحبي على التعبير الموجز عن فكرة محددة، أو حالة شعرية بعينها، بحيث تحقق وحدة الانطباع والتأثير، وتبرز شعرية التوقيعات في مجموعته «رجل من الربع الخالي»، وكذا مجموعته «جبال» التي تتضمن عددا كبيرا من القصائد القصيرة، التي تصلح أن تكون مثالا ناجحا لقصيدة التوقيعات أو الهايكو، بصورتها التي ظهرت عليها عند رائدها ومؤسسها، عز الدين المناصرة (16) .
وأهم ما يمّيز هذه الومضة الشعرية عند نادر هدى، هو نهايتها الخاطفة المتميّزة التي تبلغ عندها ذروة الختام، والتي تأتي نتيجة لبداية تبلور الرؤيا الشعرية وتناميها تناميا تدريجيا، وهي نهاية تماثل ما يصطلح عليه في علم الأسلوب بـ «المفاجأة الأسلوبية» أو خيبة الانتظار أو توليد اللامنتظر من خلال المنتظر. ومما قرأناه في الأسلوب الجزل في ومضة نادر هدى «أسئلة بغداد»، في ديوان «سأعد أيامي بموتك».
فكرة الملصّقة البيان، الخطاب الشعري الإعلامي، عند نادر هدى، تتنامى تناميا دراميا شائقا، على شاكلة المناصرة، مجسّدا في الصراع بين الولادة والوفاة، ليبلغ هذا الصراع ذروته المركزة في الخاتمة المنسوجة على الجزل. تبدو ملصقات نادر هدى مغلولة القاموس إلى العنق، محدودة التشكيل الفني، ذلك لأن قصر جملها الشعرية وقلة عدد كلماتها، يعوق الشاعر ويمنعه من التنويع في التشكيل اللغوي والتفنن في بناء الجملة الشعرية، ويظهر ذلك على سبيل المثال لا الحصر في توقيعة قصيدة «معاناة» في «ديوان أنت» (17).
لقد أسّس عز الدين المناصرة لقصيدة النثر بمعناها الحداثي في الأردن في قصيدته الشهيرة: «مذكرات البحر الميّت» في الستينيات، إذْ لم يسبقه في ذلك أي شاعر حديث في الأردن. وكان المناصرة، هو الرائد الفعلي للحداثة الشعرية في الأردن، وترك مجموعة من التقاليد الشعرية، أثّرت فيما بعد في عدد من شعراء الأردن.
المصادر والمراجع والهوامش
1. عثمان حشلاف: التراث والتجديد في شعر السياب، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1986، ص: 127، 129.
2. عز الدين المناصرة، إشكالات قصيدة النثر: نصٌّ عابر للأنواع، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط2، 2002، ص: 289.
3. كينيث ياسودا، دراسة في جماليات قصيدة الهايكو، ترجمة وتقديم محمد الأسعد، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1999، ص: 14.
4. فريال جبوري غزول: شعرية الخبر، مجلة فصول، العدد الأول، المجلد السادس عشر، صيفـ 1997، ص: 192، 195.
5. س. موريه: الشعرالعربي الحديث، تطور أشكاله وموضوعاته بتأثير الأدب الغربي، ترجمة سعد مصلوح، دار الفكر القاهرة، ط 1 ، 1986، ص: 304، 307.
6. حسام الخطيب: الأدب المقارن ، الجزء الثاني ، مطبعة الإنشاء دمشق، ط1 ، 1982، ص:.32
7. «توفيق صايغ»، فلسطيني الأصل، تخرج في الكلية العربية للقدس (مدرسة المعلمين الأميركية سابقاً)، والجامعة الأميركية ببيروت.درس الأدب الإنجليزي في أكسفورد وهارفارد، ودرس في جامعة لندن وجامعة برنستون وشيكاغو - موطن جماعة شعر الأميركية - أصدر مجلة «حوار» بتمويل من المنظمة الأميركية لحرية الثقافة، فثار من حولها جدل سياسي في وقتها إلى أن توقفت عن الصدور. تميز بترجماته الكثيرة عن الأدب الأميركي، وترجم العديد من قصائد لإليوت . المرجع: توفيق صايغ، خمسون قصيدة من الشعر الأميركي - ترجمة - ص: .9
8. توفيق صايغ: ثلاثون قصيدة، دار مجلة شعر، بيروت، 1960، ص: 40.
9. جليل كمال الدين: الشعر العربي الحديث وروح العصر، دار العلم للملايين بيروت، ط 1، 1964، ص: 184.
10. صلاح فضل: أساليب الشعرية المعاصرة، دار الآداب، بيروت، ط1، 1995، ص:150.
11. عز الدين المناصرة: جمرة النص الشعري، مقدمات نظرية في الفاعلية والحداثة، منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، دار الكرمل للنشر والتوزيع، عمان 1995، ص: 547، 548.
12. حفناوي بعلي: لافتات مطر، وملصقات عز الدين ميهوبي، موازنة قصيدة الشهادة والاستشهاد، مجلة عمان، العدد 107، أيار، 2004، ص: 76.
13. عبد الواحد لؤلؤة: مدائن الوهم، شعر الحداثة والشتات، رياض الريس للكتاب والنشر، بيروت ـ 2002، ص: 153، 154.
14. عز الدين المناصرة: إشكالات قصيدة النثر: نصٌّ عابر للأنواع، ص: 108، 110، 168، 189.
15. بنعيسى بوحمالة: القصيدة المغربية المعاصرة، عن حداثة متنامية وواعدة، مجلة «البيت»، تصدر عن بيت الشعر في المغرب، العدد 8، ربيع، 2004، ص: 87.
16. فخري صالح: من قصيدة التوقيعات إلى القصيدة الطويلة، عن تجربة سيف الرحبي الشعرية، مجلة عمان، العدد 112، تشرين أول ـ 2004، ص: 28، 29.
17. حفناوي بعلي: الحداثة الشعرية وفاعلية الكتابة في «توقيعات» نادر هدى، مقدمة خص بها الباحث ديوانا للشاعر تحت الطبع.