تعتبر «الدولة» من حيث هي ملتقى ارادات ابناء أمة من الأمم ومناط آمالهم مكسباً إنسانياً وتاريخياً، لا يذهب بجلال هذا المعنى الا البطش والظلم وتخسير الموازين.
والمجموعات البشرية «قبل الدولة» قد تتوافق على أعراف تستظلّ بها وتَحُدُّ من فوضاها، أو يكون لها زعماء حكماء تسترشد بهم، حيث يصدق بها قول الشاعر العربي:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم
ولا سراة اذا جهّالهم ساءوا
اما في حال انتفضت الدولة لسبب او لجملة أسباب، او تهاوت فأن «ما بعد الدولة» لن يتمتع بشيء مما كان يستظل به الناس قبلها من قيم وأعراف وعلاقات تضبطها هذه القيم والاعراف، وستكون الاضطرابات والزعازع والفتن الجائحة، وستتسع الخروق على الراقعين، ويخفت صوت اهل الرأي والمشورة، ويعلو صوت الجهلة والشُطّار والعيّارين، او تكون السياءة لهؤلاء فيكثر الهرج وينعدم الأمن وتحكم شريعة الغاب، على نحو ما نسمع ونرى في البلدان التي تهاوت دولها.
فاذا زدنا فوق ذلك اصحاب المذاهب الغالية والأنفس الكظيمة الخبيثة التي تتربص بالدولة من داخلها ومن خارجها، وجمعنا اليه المطامع الخارجية وشتى الائتمارات اقليمية وعالمية فان من مقتضى اليقظة على هذه الأخطار والمسؤولية الاخلاقية ازاءها ان يتداعى المخلصون من أبناء «الدولة» الى اصلاح شأنها وتقوية أركانها ودفع الغوائل عنها، تماماً كما هو شأن أبناء الأسرة الواحدة المتماسكة، او شأن المؤمنين او مَثَلُهم في الحديث النبوي الشريف: كالجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمّى، والسهر يقتضي اليقظة والمتابعة حتى لا يؤتى احد من قِبَلِهِ، والحمّى تقتضي المشاركة في أعباء المواجهة ودفع أسباب الوهن.
إن روح الدولة كما نفهم من الفيلسوف الألماني هيجل ينبغي ان تكون امتداداً لروح الأسرة، وهي في مثل احوال امتنا اليوم ضمان حياة ووجود، والذي لا ريب فيه انّه لا مدنية ولا ثقافة ولا حضارة، الا اذا كان ثمة حياة ووجود.
في معنى «الدولة»
12:00 12-9-2016
آخر تعديل :
الاثنين