زهير مبارك ناقد تونسي يشتغل في الظل، كاتب عام لجمعية الرواية العربية، حاصل على شهادة الماجستير في اختصاص الأدب من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس. خلال زيارتي الأخيرة لصفاقس، أهداني كتابه النقدي «السخرية في الرواية العربية» والذي اشتغل فيه على رواية «جمعة القفاري.. يوميات نكرة» للروائي الأردني الراحل مؤنس الرزاز. فكان هذا الحوار:
• كناقد ومشتغل على قراءة واستشكال العديد من الأعمال الإبداعية، إلى من توجه أسئلتك ومقارباتك؛ ألِـلكاتب أم للقارئ بشكل عام؟
- النقد عملية مركبة ومعقدة في آن، لأنّ «الكلام على الكلام صعب». فالنص الأدبيّ نص ينحو إلى التعامل البلاغيّ مع اللغة قصد استمالة القارئ إليه وإثارة عجبه ودهشته. لكنّ هذا النّص عامر بإيقاعات الواقع والتاريخ والذاتيّ والموضوعيّ.
فغاية ما يصبو إليه النقد هو بيان المنهاج الذي يسير على هديه النص الأدبيّ والإسهام في تعقّب مسار من مسارات تأويليّة ممكنة وتقريب النص إلى القارئ بصرف النّظر عن موقف الناقد.
ومن هنا تتأتّى إشكالية متلقي الخطاب النقديّ. وما أذهب إليه أنّ النقد وسيلة لتقريب النص الأدبي إلى المتلقي، ولما كان هذا الأخير متعدداً ومتنوعاً، ففيه المبدع والمتخصص والقارئ العادي، وجب مواءمة المقال للمقام.
لذلك أنحو إلى التبسيط والترغيب حينما يتعلق الأمر بمحاضرةٍ متلقّوها ممن يأتون للتعرف إلى أثر أدبيّ دون إلمام بالمناهج النقدية ومصطلحاتها. لكنّ الأمر مختلف حينما يتعلق بأهل الاختصاص، فالدّقة والصرامة المنهجية من ضرورات العمل الأكاديمي.
• إلى متى سيظلّ نقدنا امتداداً لمناهج النقد الغربية؟ ومتى سنرى منهجاً نقدياً عربياً أصيلاً لأدبياته وتراثه؟
- هذا السؤال لا يتعلق بالنقد فحسب، فهو سؤال حضاريّ عام يمسّ كل نواحي حياتنا، وهو موصول بقدرتنا على الإبداع واستثمار تراثنا استثماراً عقلانياً منتجاً وخلق هوية متميزة ومتجددة.
فقراءة النصوص الأدبية العربية تقتضي وعياً بأنّ النص أنّى كان هو سليلُ واقعه (الجمالي السياسي الاجتماعي الجغرافي والنفسي) وتراكماتِ التاريخ. فهو يستدعي أدوات مجترحة من لغته ومن خصائص الذائقة التي أنتجته وتلقّته. فكل الدراسات السردية الغربية مستنبطة من مفاهيم نحوية قديمة ومن منجزات لسانية وسيميولوجية حديثة، والغريب أن التراث النحوي العربي ثري وفيه إمكانات رحبة لتطوير نظرنا في النص عموماً والنص الأدبي تحديداً.
ورغم ذلك، فإنّ هناك محاولات جادة تُحسن تمثّلَ النظريات الحديثة واستثمارها لتلائم خصوصيات النص الأدبيّ العربيّ، وأذكر على سبيل المثال توفيق بكار وعبد الفتاح كيليطو ومحمد القاضي... وما يجب تأكيده أنّ ما أنجزه الغرب في المجالات جميعها ليس ملكاً له، بل هو ملك الحضارة الإنسانية باعتبارها تراكماً لإنجازات ثقافات مختلفة وفي حقب زمنية متعددة.
• الناقد المغربي محمد بوعزة يرى أنّ أول ما ينطوي عليه النقد العربي اليوم هو هذه الدرجة العالية من الوعي الابستمولوجي لانخراطه في مشروع البناء المنهجي الذي يتخذ صورة نظرية عرفية. ما تعليقك؟
- يجب أن نحذر تعميم هذا الحكم على النقد العربي لأنّ هذا النقد ما زال في أغلبه يبحث عن تمثل المنجز النقدي وما زال في وضعيةٍ من الاضطراب المنهجي، ولكن إن تحدثنا عن أعلام النقد العربي فإنّ ما ذُكر ينطبق على بعضهم، فسعيد بنكراد وسعيد يقطين وغيرهما يمتلكون وعياً ابستمولوجياً عميقاً، لكن السؤال هنا: هل انتقل هذا الوعي الفردي إلى أن يصبح سمة تميز النقد العربي المعاصر؟
هناك محاولات جادة في سبيل توفير هذا الوعي من خلال ما تنجزه وحدات البحث من جهد في التعريف بالمناهج وترجمة مصطلحاتها، وأعتقد أن ذلك سيكون أرضية معرفية لتطوير آليات عمل النقد العربيّ.
• سبق لك أن نشرت كتاباً عن السّخرية في الرواية العربية، ودرستَ فيه رواية مؤنس الرّزاز «جمعة القفاري.. يوميات نكرة»، فهل تقدم لنا صورة مختزلة عن هذا المنجز؟
- السخرية سمة من سمات الرواية العربية، لأسباب عديدة أهمها الخيبات التاريخية التي تجرعها الإنسان العربي، ووجود أنظمة ضيقت على الحرية. ولأن السخرية لغة مخاتلة ومواربة وموقظة للوعي فقد وجدت في الرواية إمكانات رحبة للتعبير عن ذاتها.
والناظر في تجربة مؤنس الرزاز الروائية يجدها حافلة بالسخرية التي توقفنا بلمح إشارة إلى مواطن الاعوجاج. وقد سعيت إلى أن أقف من خلال روايته «يوميات نكرة» على الخواص الفنية للسّخرية موظفاً ما أفضتْ إليه مناهج البحث الحديثة وما استنطقته من التراث النقدي والبلاغي عند العرب، وقد أوقفني البحث على نصوص نقدية تراثية يمكن أن تكون أرضية معرفية لفهم خطاب السخرية.
• بمَ أغرتك وأغوتك رواية «يوميات نكرة» لتُدخلها مختبرَك النقدي؟
- اختياري للروائي مؤنس الرزاز ليس من عبث الخاطر، بل يعود إلى أسباب موضوعية لعل أهمها أن السخرية سمة مميزة لتجربته الروائية، وقد تملك أساليبها وفنونها. كما إن السخرية لديه تستمد معانيها من تفاعلٍ وَلود بين الذاتي والواقع السياسي والاجتماعي، علاوة على حاجتنا إلى التعريف بروائي متمكن من فنون الرواية لقراء من تونس ليس لهم عميق اطلاع على التجربة الروائية في الأردن.
• الكتاب صدر ضمن سلسلة «سرديات» عن مركز الرواية العربية بقابس. ما مصير هذا المركز؟
- الحقّ أنّ مركز الرواية العربية كان سبباً في نشر ثقافة روائية ونقدية لجدّية المواضيع التي يطرحها، وأهمية الروائيين والنقاد الذين يفدون على الندوات التي يقيمها المركز، وقد شغلت منصب «كاتب عام» لهذه الجمعية، ورغم فتور إشعاع المركز خلال السنوات الثلاث الأخيرة، إلا أنّ الأمل ما زال قائماً في استعادة هذه الجمعية العريقة ألقها. فقابس تتوفر على روائيين متميزين مثل د.محمد الباردي، ومنير الرقي، وعفيفة السميطي، وعبد القادر اللطيفي.
• كيف ترى مستقبل الاختزال في السرد والشعر؟
- يجب الإشارة بدءاً إلى أن وجود أشكال السرد الوجيز لا يلغي الرواية. بل إنّ بداية انتشار القصة القصيرة جداً في الأدب العربي تزامنت مع سمة لافتة في الرواية العربية، وهي تضخم عدد صفحاتها، وذلك يعني إمكانية تعايش الجنسين رغم اختلاف خلفياتهما الفكرية والجمالية.
أما عن القصة القصيرة جداً، فأعتقد أنها ستلقى رواجاً في السنين القادمة بين قراء الأدب العربي، لإمكانية وصلها بشبكات التواصل الاجتماعي وتعبيرها عن زمن السرعة وانشغال الإنسان باليوميّ.
وبشأن القصيدة الومضة، لا أرى أنها قادرة في السنين القادمة على أن تخلق جمهوراً متسعاً، لسلطة نموذج القصيدة العمودية وأنماط القصائد الأخرى التي تتسم بضرب من الطول واتساق بناها.
• كاتب وشاعر مغربي
الناقد التونسي زهير مبارك: السخرية سمة مميزة لتجربة مؤنس الرزاز الروائية
09:30 9-9-2016
آخر تعديل :
الجمعة