كتاب

نصف الكوب الأردني

هناك ثلاث مدارس ومواقف من الانتخابات البرلمانية في الاردن. وهذا أمر طبيعي في بيئة صديقة للديمقراطية الى أبعد الحدود ضمن الظروف القائمة.

فريق مؤيد يرى النصف الممتلئ من الكوب ، واخر معارض يرى النقيض تماما، وثالث محايد أو لا يهتم. هذا التباين في التصنيف لا يتعارض مع سياق البيئة الصحية السليمة للديمقراطية بل يعززه. ولعل سبب الخلاف الرئيسي حول الانتخابات البرلمانية ناتج عن القراءات المختلفة لقانون الانتخابات سواء ما تعلق منها بالصوت الواحد أو التصويت للقوائم أو الاحزاب. لكن التجربة الانتخابية الاردنية برمتها تظل حقيقة موثقة وعلامة مضيئة في مسيرة هذا الوطن لا يمكن حجبها بغربال.

تبقى الانتخابات في أي بلد أو نقابة أو حزب أو جمعية او نادي في شكلها الظاهر عراكات سلمية ومعلنة ، تدور وتدار، في وضح النهار ، تشارك فيها جميع فئات المجتمع المتساوية بالحقوق والواجبات أمام القانون. سلاحها الكلمة والفكرة وذخيرتها الوعود والتعهدات والبرامج ، وهدفها الاكبر صوت المواطن وثقته.

الذين لا يرون الا الجزء الفارغ من الكوب ويعددون لك الثغرات والسلبيات في العملية الانتخابية، عليهم ان يمدوا أبصارهم الى دول ومجتمعات تجمعنا بها أشياء كثيرة كاللغة والدين والجغرافيا والطقس والعادات والتقاليد والتحديات ، لكنها تتفوق علينا بالموارد والامكانات، ويقولون لنا ما لا نعرفه أو لا نستوعبه بعيدا عن نظرية المؤامرة التي يعتقد بعض هؤلاء انها سبب كل بلاء لحق بنا وسيلحق بنا.

ما ذكر انفا وأكثر كان محاولة تلخيص لحديث جمعني صدفة بمواطن عربي منفتح يقيم وعائلته في الاردن منذ بضع سنين. كان الرجل الستيني يستفسر عن الباص الذي يجوب أحياء عمان مقابل 250 فلسا. عندما أخبرني برغبته في التعرف على عمان بشكل افضل ، شعرت بالاحراج لأنني لم أفكر بالقيام بتلك الجولة حتى تلك اللحظة. بدون تردد قلت له سأرافقك في هذه الجولة وهذا ما كان. ولما عبر الباص عددا من الاحياء والشوارع كانت البوسترات الدعائية الملونة ووجوه المرشحين تطل علينا بأفضل ما أوتيت من تأنق و«بوزات» وابتسامات ، وكانت تلك الدعايات هي المدخل لحديثنا المتشعب.

ما رأيناه كان أحد تفاصيل الجزء الممتلئ من الكوب الاردني. وأبرز ما يميز هذا الكوب هو ان لون محتواه ليس أحمر بلون الدم! وان بيوت العزاء فيه هي لمن يتوفاه الله بعد مرض أو شيخوخة أو حادث مؤسف ، وان اعداد المهاجرين المسجلة فيه تجاوزت قدرات الاردن وامكاناته ، وغيّرت من تركيبته الديمغرافية الطبيعية ، كما كشفت شفافية الكوب كثافة الازدحام في مدارسه الحكومية ومستشفياته وأسواقه الشعبية.

في هذا الجزء الممتلئ من الكوب الاردني قرأ الضيف ان الكلمة الفصل في كل خلاف أو نزاع بين طرفين في الاردن هي للحكمة والقانون. بينما في غير مناطق يصول الموت ويجول القتل ويختال التدمير بلا هوية أو تمييز أو مبرر مقنع ، ويتحاور الفرقاء هناك عبر فوهات البنادق ومتاريس المدافع وأزيز الرصاص وتبادل الصناديق المعبأة بالمتفجرات والحقائب الملغمة.

لو كنت اعلم انني سأخرج بغنيمة كهذه من هكذا جولة مقابل ربع دينار فقط لكنت قمت بها منذ أمد بعيد ، لكن الفضل في ما جرى يعود لهذا الستيني البشوش القادم عبر الحدود ليعرف المزيد عن عمان ، و» ليبلّ ريقه الناشف «من النصف الممتلئ من الكوب الاردني.