قبل يومين شاهدت صورة ناجي العلي على شاشة فضائية عربية ، وسمعت صوته الحي ، فشعرت بقشعريرة بعثتها طلة العزيز الغائب ، موشحة بسعادة غامضة ممزوجة بفرحة العودة بعد غياب طويل. ناجي ، الذي اطّل علينا ، عاد الينا في ذكراه ، لم يغب عنا ، فقد ترك بيننا طفله حنظلة الذي لا يكبر ولا يساوم ولا يستسلم ، هو توقيعه ، اسمه ، وعيه المبكر، غضبه ، وعناده الذي لا ينضب.
هذه المرة ، لا اكتب عن جذورعلاقتي بناجي ، ولا عن محبتي له ، ولا عن ثنائية الشقاء التي جمعتني به منذ بداية المشوار ، ولا عن حزني على غيابه ، ولا عن عملية اغتياله في لندن بمسدس عميل مزدوج ، والتي انتهت باغلاق ملف الجريمة وبعبارة « قيّد ضد مجهول «.
اسمحوا لي ان اكتب بعض ما اذكره عن ناجي العلي ، وما حوله ، ان اسعفتني الذاكرة ، ولكني لا اعرف من اين ابدأ ، لأن تجربة ناجي الابداعية ، في مسيرته الطويلة ، تمثل شهادة شعب تألب على نار اليأس والحسرة ، ورسوماته ارّخت معاناة جيل النكبة ، حتى اصبح حنظلة وعائلته ، رمز الانتظار والصبر والامل ، والقدرة على احتمال المنفى.
عندما اكتب عن ناجي العلي الفنان الانسان المتفرد ، الذي كان يرفض تحويله الى اسطورة او بطل، من الوفاء ان اذكر الشهيد غسان كنفاني الذي أمسك بيد الموهبة التي كانت تحبو في ازقة وطرقات مخيم عين الحلوة ، وهوالذي دعم وشجع ناجي وساعده على الوصول الى جمهوره الفلسطيني والعربي ، كما أن غسان هو الذي كان اول من قدم الشاعر محمود درويش في كتاباته عن شعراء الارض المحتلة وعن ادب المقاومة في فلسطين ، واللافت ان النهاية الدرامية للثلاثة الكبار تشبه النهايات الماساوية لابطال في الادب الاغريقي ، أو ابطال روايات شكسبير ، مع الفارق في الوسيلة والغايات والاهداف.
ليس من السهل ان تكتب عن المبدعين الثلاثة ( كنفاني والعلي ودرويش ) في مناسبة واحدة وفي مساحة ضيقة ، لأن امتدادهم العربي والانساني بلا حدود. صحيح أن الثلاثة القادمين من الجليل لهم بداياتهم المتشابهة واهدافهم الواحدة ، الا ان نهاياتهم اختلفت بتفاصيلها التراجيدية. محمود درويش سقط ضحية قلبه الذي عجز عن التماهي مع الحلم وعشق الحياة وحجم القلق.
أما الشهيد غسان كنفاني ، الكاتب الروائي الرسام العاشق الشفاف كحد السيف ، كانت نهايته مختلفة ، كانت نهايته بداية اللعبة الدموية للسيارات المفخخة في بيروت ، التي ابتدعها ونفذها جهاز الموساد بمساعدة من ادوات داخلية في لبنان ، حيث انتشرت شظايا جسده في كل الاتجاهات ، وكان دمه بلون الورد.
وفي ذكرى استشهاد الفنان ناجي العلي ، ارى ان الكتاّب والاصدقاء والباحثين لم يتركوا حيزا لكلمة. لذلك ساكتفي بتناول الجانب الاردني في حياته ، وهو الجانب المغيب. كثيرون لا يعرفون ان ناجي العلي كان يحمل الجنسية الاردنية ، وأنه اختار عمان لقضاء شهر العسل في منتصف الستينات، والأهم أنه اتصل بي، عندما كنت مديرا للتحرير في جريدة صوت الشعب في العام 1984 وأبدى رغبته برسم « كاريكاتير « خاص بالجريدة. وقال لي انه رسم في الصحف اللبنانية والكويتية ويريد أن يرسم في صحيفة اردنية وبلا مقابل ، كان مصرا على أن يصل الى جمهوره في الاردن.
في البداية اعتقدتها مزحة من فنان ساخر، ولكنه كان جادا وسريعا بتنفيذ وعده ، فارسل لنا عدة رسوم بواسطة شركة لنقل البريد السريع ، فقمت على الفور بنشر الكاريكاتير على الصفحة الاولى ، محل الصورة الرئيسية ، في بادرة غير مسبوقة في الصحافة اليومية الاردنية والعربية في ذلك الوقت.
كانت الرسوم جريئة جدا ، وردود الفعل الشعبية جيدة ، وبالتالي ظهرت نتائج هذا الجهد بشكل ايجابي على توزيع وانتشار الصحيفة. وبهذه المناسبة اريد ان اشير الى رسمة « الشمعة الدامعة» التي يتكرر نشرها في وسائل الاعلام العربية حتى اليوم ، وهي عبارة عن شمعة دامعة شعلتها على شكل ريشة قلم ، تعبر عن انكسار حرية التعبير ، رسمها ناجي عندما استقالت وزيرة الاعلام ليلى شرف من حكومة الرئيس احمد عبيدات ، ونشرناها في حينها ، ولكن يبدو أن الفكرة لم تصل الى المتلقين في ذلك الوقت.. للفنان الشهيد ناجي العلي الرحمة والمجد.
ناجي وغسان.. دم الغزال بلون الورد..
12:00 1-9-2016
آخر تعديل :
الخميس