تقع جمهورية منغوليا الشعبية في اسيا وتحدها الصين وروسيا ويبلغ عدد سكانها ثلاثة ملايين نسمة، يعتنقون الشامانيزم (البوذية المنغولية) ويتحدثون باللغة الصينية والروسية والمنغولية القديمة.تعتمد منغوليا على الزراعة ورعي الماشية بالاضافة الى بعض الصناعات الخفيفة، اما تضاريسها فتتكون من صحراء شاسعة وجبال عالية وطقسها قاسٍ ففي الشتاء تبلغ درجة الحرارة دون الخمسين مئوية تحت الصفر.في القرن الثاني عشر ميلادي قام «تيموجين» بتوحيد القبائل المنغولية المتناحرة واسس امبراطورية قوية شاسعة، سمي على اثرها «جنكيز خان» اي القائد العالمي. في عالم الطب، يوجد مرض يعرف بمتلازمة داون، نسبة الى العالم البريطاني «جون داون» وهو مرض وراثي ينتج عن خلل في الكروموسومات يؤدي الى تخلف عقلي وترافقه خصائص جسدية معينة كالرأس الصغير والأنف المسطح والعينين المائلتين الى الاعلى. عندما ترى الشخص الذي يعاني من هذا المرض، فانك تستطيع ان تعرفه من الوهلة الأولى لانه يشبه الناس الذين يعيشون في منغوليا ومن هنا اصبحت متلازمة داون تعرف بالطفل المنغولي. كم ملأت الغيرة والحسرة قلوبنا ونحن نتابع الدورات الاولمبية المختلفة فنرى دولاً مثل منغوليا وقرغيزستان واوزبكستان وجامايكا وغيرها يفوزون بالميداليات، الا نحن.
منذ ستة وثلاثون عاماً والاردن يشارك في الاولمبياد بدون ان يحصل على ميدالية من الذهب او الفضة او البرونز، اللهم الا ثلاث ميداليات برونزية رمزية في دورات سابقة عندما لم تكن رياضة التايكوندو معتمدة رسمياً. ستة وثلاثون عاماً من الالم والحسرة التي كانت تملأ قلوبنا وترتفع الى عيوننا فنذرف الدمع الساخن حسرة وكمداً ونحن نستمع الى النشيد الوطني للدول المختلفة وهم يتوجون بالذهب. استمعنا باشمئزاز الى كل الحجج الواهية والهزيلة لتفسير فشلنا واخفاقنا واننا نشارك من اجل اكتساب الخبرة وان الفوز سوف يأتي لاحقاً. شاهدنا عبر السنين المئات من الرياضيين العالميين وهم يثابرون ويقاتلون ، فهذا لاعب فرنسي يكسر ساقه وهو يقفز فوق حصان الحلق وهذه عداءة اوروبية ترمي بنفسها فوق خط النهاية، وذاك لاعب يجري الماراثون فيصاب بهبوط في الدورة الدموية نتيجة فقدان السوائل فتتشنج ساقاه ويهذي ويترنح ويمضي مقاتلاً حتى أخر نفس في رئتيه في سبيل رفعه ومجد بلاده. لطالما تساءلنا الم يقل سيدنا عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، «علموا اولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل» فماذا دهانا حتى لا نستطيع العوم ولا نحسن الرماية ولا نتقن البقاء فوق ظهور الخيل ولا نعرف حتى كيف نعدو ونحن المشهود لنا بالجري الى الخلف، بعيدا عن المواجهة.
كنا نستحي ونتعرق خجلا عندما كان البعض يتفاخر بأننا شاركنا في حفل الافتتاح الذي يشارك فيه الالاف من الرياضيين من كل دول العالم، بدون ميزة تُعطى، نتيجة تلك المشاركة. نقارن بين لاعبة رفع الأثقال التايلاندية التي قالت بعد فوزها بالذهب: «لقد تدربت عشر سنوات انتظاراً لهذا اليوم» بينما نحن نذهب للمشاركة من أجل المشاركة.
كنا نحث اللاعبين العرب على الفوز ونردد معهم النشيد الاولمبي «نقسم ان نشارك بشرف وشهامة وان نحترم القوانين وان نسعى لمجد بلادنا ولمجد الرياضة»، ولا من سامعٍ ولا من مجيب.
كم جلسنا وشاهدنا الارقام الاولمبية وهي تُكسر بأعشار اعشار الثانية واعشار اعشار المتر، فهاهو «مايك باول» الأميركي يفوز في الوثب الطويل محققاً 8.95 متر بعد مرور 23 عاماً على تحقيق «بوب بيمون» لرقم 8.90 متر، كما شاهدنا الرومانية «ناديا كومانتشي» تفوز في رياضة الجمباز بثلاث ميداليات ذهبية وهي في سن الخامسة عشرة، وكنا ونحن نشاهد احدى المتباريات الأجنبيات ترمي المطرقة الى 82.29 متر، نتسائل: أين شبابنا وشاباتنا؟.
تابعنا «مارك سبيتز» الاميركي يفوز بسبعة ميداليات ذهبية وهو في سن السابعة عشر وادهشنا الجامايكي «يوسين بولت» وهو يفوز بسباق 100 متر جري محققاً 9.81 ثانية متفوقاً على غريمه الاميركي «جاتلين» الذي حقق 9.89 ثانية ولم نصدق أعيننا ونحن نرى «غيل ديفرز» تفوز في سباق جري المئة متر بفارق واحد على الألف من الثانية، في اتلانتا في العام 1996.
شاهدنا السباح الاميركي «مايكل فيلبس» وهو يفوز بثلاث وعشرين ميدالة ذهبية اي اكثر من كل الميداليات الذهبية التي فاز بها العرب، كل العرب، منذ بداية الالعاب الاولمبية قبل مئة عام، فضربنا كفاً بكف وقلنا «حسبنا الله ونعم الوكيل».
اصابتنا الدهشة ونحن نتابع تجنيس الرياضيين المتفوقين من جنسيات اخرى حتى يحصلوا للبلاد العربية على ميدالية من اي لون ورأينا الوجوم على وجوة هؤلاء المتجنسين عندما يعزف السلام الوطني لدولة ليست هي دولتهم. تابعنا اسماء بعض اللاعبين «العرب» اللذين شاركوا في اولمبياد ريو»: اندرو فيشر، بيتر سامبا، سيرجيو توما، فيكتور سكورتوف، بورخا فيدال، جون جيفرسون»، وكذلك تابعنا اسماء بعض اللاعبات « العربيات» مثل ادير يونغ، اونيس جبكبيروي، روث جيبيت وغيرها واصابنا الحزن على الملايين التي صرفتوتصرف عليهم تحت حجة اعطاء نموذج للجيل المحلي الصاعد، بينما هذا يتعارض مع روح المنافسة الاولمبية: الأسرع، الأعلى، الاقوى من بين الامم.
كنا كذلك ندفن رؤوسنا خجلاً من بعض المعلقين العرب، فهذا احدهم يحدثنا عن لاعب ارجنتيني او لاعب برتغالي ويخاطبه قائلاً: ارهم من تكون وكيف تكون،سافر فوق الغيوم وتمختر فوق الاغصان الخضراء المشتعلة بنور السماء وكوكب الزهرة، ارهم ياسيد العالم كيف تسحق امال فرنسا في باريس وكيف تمزق الانجليز في براري مانشستر». ومعلق اخر يتحدث عن تلك الافريقية السمراء التي فازت في مسابقة الجري « والله انك صاروخ بدون بطاريات وبدون كهرباء... ياسمراء ياحلوة، يابطة، يا لهلوبة... جمال طبيعي... جمال عذري...أنت لا تشربين حليب نستلهولا تأكلين اللحوموتعيشين على البطاطا والجبنة والزيتون. تولد الواحدة منكن من بطن امها فتذهب الى الغابة للتدريب ثم تعود الى البيت لترضع من ثدي امها ثم ترجع الى الغابة لتعدو وعندما تفوز بالميدالية الاولمبية تبحث عن ابن الحلال لتتزوج وتنجب الاطفال وتنشئ مزرعة للدجاج في الغابة».
كنا نستحي عندما لا تفوز دول عريبة بأي ميدالية فيبدأ الحديث عن حصيلة ميداليات «الامة العربية» وكأننا دولة عربية واحدة، ذات كيان واحد وذات علم واحد، وكنا في ذلك نشبه «القرعة التي تتباهى بشعر جارتها» ومثل النعامة التي تدفن رأسها في الرمال.
كم زهقنا من الاعذار الواهية التي كانت تساق لتبرير هزائمنا: فترة التحضير لم تكن كافية وكأن مواعيد الاوليمبياد غير معروفة، الإرهاق من السفر المتواصل وكأن فرقنا العربية هي الوحيدة التي تسافر، الحكام المتحيزون، وعورة أرض الملعب، السماء التي تمطر مدراراً والشمس التي تلهب الوجوه، والحظ الذي يعاندنا دائماً.
وفجأة تأتون... أنت يا أحمد ابو غوش وأنت يا فارس العساف، مثل رشفة الماء الزلال في فم الصائم... مثل نسمة ندية في يوم قائظ، مثل زغرودة اردنية، مثل الدبكة، فرحة زرعت البسمة على شفاهنا وارقصت قلوبنا.
في العام 1984 كنت في ملعب ويمبلي الشهير في لندن لمتابعة مباراة في كرة القدم عندما طلب المذيع الداخلي من الجمهور الوقوف لعزف النشيد الوطني للفريقين المتبارين. تم عزف السلام الوطني الإنجليزي ووقف 86 ألف مشاهد وبصوت واحد قاموا بترديد كلمات النشيد مع الموسيقى... فاهتز صدري وخفق قلبي وسالت الدموع من عيوني.
تذكرت كل هذا وأنا أجلس فجر الجمعة يا أحمد لأتابعك وأنت على منصة التتويج ، أعلى من الجميع وعلى يمينك الروسي الفائز بالفضية وعلى يسارك الكوري والإسباني الفائزان بالبرونزية. هناك تسعة من الضباط بالملابس العسكرية التي تمثل قطاعات الجيش البرازيلي المختلفة يؤدون التحية العسكرية لعلم المملكة الأردنية الهاشمية الخفاق والميدالية الذهبية تتدلى على صدرك ونظرك يتجه الى الأعلى... تأخذ نفساً عميقاً فيندفع صدرك الى الأمام مليئاً بالفخر والإعتزاز، نلمح في وجهك وعيونك أثار سنوات التدريب القاسية، احباطات الماضي، نصائح المدربودعوات الاهل.
تضع يدك اليمنى على قلبك، وفي لحظة مجد وقفنا، سبعة ملايين أردني نضع ايدينا على صدورنا، نردد معك نشيدنا الوطني:
عاش المليك، سامياً مقامه... خافقات في الاعالي اعلامه
نلمح اردنيين بين الجمهور المحتشد، كوفية وعقال، اعلام اردنية، تتجه اليهم تأخذ من احدهم العلم لتتوشح به وتلف القاعة ركضاً... لفة الإنتصار... وتعانق مدربك فارس العساف وترتميان على الأرض وتبكيان... ثم تسجدان على الأرض تشكران الله سبحانه وتعالى فيما نحن نستمر في الغناء: أردن أرض العزم... أغنية الظبا... نبت السيوف وحد سيفك ما نبا... في حجم بعض الورد إلا أنه لك شوكة، ردت الى الشرق الصبا.
لله درك يا أحمد ويا فارس... لقد رددتم الينا صبانا فكم أباً وكم أماً أفرحتم... أفرحتم الشعب الأردني بكل أطيافه وفئاتهوكتبتم اسم الأردن على الشمس التي لا تغيب.
هذا هو اردننا... اردن الأنبياء والصحابة... أردن المسجد والكنيسة... أردن فلسطين... أردن الزعتر والزيتون... أردن النشامى.
E – Mail: ibrahimsbeihaz@gmail.com
«العزيمةُ والخَيَالْ»
12:00 21-8-2016
آخر تعديل :
الأحد