«حين تصبح الحياة أرخص من الموت، يصبح ما أصعب مِن بذْلها أنْ نعضَّ عليها بالنواجذ» إميل حبيبي
بِالرَّغْم ممّا قيل عن نكوصِهِ وتراجعِهِ عن مسارِهِ التقدُّميّ في أواخر حياته، يظلّإميل حبيبي أحد المبدعين الفلسطينيين القلائل الذين أجادوا توظيف «السُّخرية» و»الفكاهة» في أعمالهم الإبداعيّة؛ هي «السُّخرية» التي تفضح «عواراً عربيّاً» لم نتخلّص منه إلى الآن.
في روايته الشهيرة «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النَّحس المتشائل» والتي طُبعت أكثر من مرّة(آخرها صدرت عن دار الهلال المصريّة 1998)، يلقانا عمل درامي بامتياز أشبه بكتابة الرَّسائل التي خبرناها في التُّراث العربي القديم. كلّ رسالة مِن هذه الرَّسائل تَخُزُّنا وخْزاً في الأعماق، فيها من «السُّخرية» ما فيها، تسخر من الهوان العربي الذي عشناه منذ نكبة فلسطين 1948 والى الآن.
في هذه الرِّواية ذات المذاق الخاصّ تُوجِّه الشخصيّة المحوريّة فيها شخصيّة «سعيد أبو النَّحس» رسائل ممزوجة بالمرارة إلى المسؤولين العرب الذين وقف معظمهم متفرِّجين على مأساة الشعب الفلسطيني وما لحقه من ظلم وتشريد على يد الصهيونيّة وإسرائيل والإمبرياليّة العالميّة. بنبرةٍ عاليةٍ مُلتاعة تدوي صرخة سعيد أبي النَّحس في الفضاء العربي المنقسم على نفسه مستنكرة هوانه واستسلامة قائلة: «لِمَ لَمْ أولد سوى عربي؟»، «ولماذا لم أجد وطناً سوى هذه البلاد؟»،إنها الصَّرخة التي تكشف عن ألم جوّاني تعيشه هذه الشخصيّة التي أعياها التمزُّق. صرخة تستنكر هواناً عربيّاً طال وأزمن! يحاكم صاحبها صمْتاً عربيّاً مِن المحيط إلى الخليج!
في حواراته مع أسرته وأصدقائه يبدو سعيد أبو النَّحس ثرثاراً، لكنها الثرثرة التي تتحدَّث عن حكمة إنسان فيلسوف. أسمعه يقول حين كان قاب قوسين أو أدنى من الاغتيال برصاص الصَّهاينة محتلّي أرضه، في سخرية ما بعدها سخرية: «كانت البداية حين وُلدتُ مرّة أخرى بفضل حمار. ففي الحوادث كَمَنوا لنا وأطلقوا الرَّصاص علينا، فصرعواوالدي رحمة الله عليه. أمّا أنا فوقع بيني وبينهم حمار صائب، فجندلوه عوضاً عني!إنّحياتي التي عشتها في إسرائيل بعد هي (فضلة) هذه الدابّة المسكينة»ص18.
حمارٌ ينقذ سعيد أبي النَّحس المتشائل! ونحن نذرع هذا العمل الرِّوائي الفذّ تأخذنا الدَّهشة؛ لماذا يصرّإميل حبيبي هذا الذي عاش ورحل منغرساً في أرض فلسطين 1948 على تصوير بطله المحوري إنساناً مُتناقضاً رغم أنفه يرضى حيناً أن يعمل مع المحتلّ! هنا يأتيك الجواب بأنّ الكاتب يريد تصوير تمزُّق بعض فلسطينيّي الداخل ومدى مُعاناتهم ومِن ثم تساقطهم! لكنّ الرَّغبة في التحرُّر من الواقع المزري تظلّ كامنة في الصُّدور. سعيد أبو النَّحس يتغابى،أمّا الصهيوني فما هو بغبيّ!
في روايتِه يحدِّثنا مِن خلال رمزيَّته عن «الخازوق» الذي يقعد عليه كلّ فلسطيني يتعامل مع الاحتلال «لا هو يتحمّله ولا هو قادر على الهبوط منه إلى الأرض».
يقول إميل حبيبي على لسان سعيد أبي النَّحس المتشائل: «فما بالي أظلّ قاعداً على هذا الخازوق، تحرمني البَرْديّة ثم تنشرني، لا ستر ولا ظهر ولا أنيس ولا أنزل؟»،سخرية تلذع، تتهكّم مِن واقع بائس!
في روايته يسمّي إميل حبيبي عصره العربي والفلسطيني بالذات «عصر التَّشمير». «التشمير للحرب والتشمير للسلم والتشمير للعمل...»! لكنه هنا وبمرارة ينتقد «المشمِّرين» لأنهم لم «يولولوا» هاتفين بحياة الزعيم!
إميل حبيبي يعتمد الخيال أحياناً في هذا العمل الرِّوائي، لكنّه الخيال الذي هو رمز لواقع معيش، يخدمه دون أن يهرب منه! وفي حثٍّ على النِّضال والانتفاض يخاطب شابّ «سعيد أبا النَّحس» وقد رآه قاعداً على «خازوق» الهوان: «مَن لا يريد (الخازوق) عليه أن ينزل إلى الشّارع معنا». النُّزول إلى الشّارع يعني النِّضال طبعاً؛ يعني تغيير الواقع، يعني الصِّدق مع الذّات! غير أنّ»المتشائل» يبدو لنا غير قادر على التخلُّص مِن «الخازوق» هو مُحبَط، مُمزَّق نفسيّاً!
أراد إميل حبيبي أن يقول لنا في النِّهاية وفي عبارة بليغة: «حين تمضي هذه الغيمة تشرق الشّمس». يختفي سعيد أبو النَّحس، ويولَد لهُأكثر مِن سعيد. الذين يولدون أصلب عوداً، سعيد الأوَّل يطير «على أجنحة الجنون إلى الفضاء السَّحيق» يبحث عن مُنقذ! الكاتب وبسخريته التي خرجت عن المألوف في الرِّوايات العربيّة الأخرى أدان كلّ فلسطيني مُتعاون مع الحُكم الإسرائيلي! يعتبر الاستمرار في القعود على «الخازوق» مَنجاة له. يوماً ما، سيتساقطون شأن كلّ مُتعاوِن أو عميل لا بد مِن «صُبحٍ وإن طال المسير».
يبرع إميل حبيبي في استحضار ما يفي بغرضه مِن التُّراث القصصي العربي، يسوق الحكمة والفكاهة والسُّخرية، يشدّ القارئ إلى المواقف الإنسانيّة النبيلة من خلال أسلوب الحوار والإسقاط.
الحوار الذي يُجريه بين شخوص الرواية حوار دالّ وممتلئ مسكون بالحكمة. حواره فيه وخزٌ للضمير الإنساني! واستنهاض للهمم، فيه تعرية لمواقف المُتخاذلين، وفيه أيضاً تهكُّم من حالة التردّي العربيّة. يبرز هذا الوخز والتهكُّم في ثنايا هذا الحوار بين أمّ وولدها:
تقول الأمّ لابنها الذي وضع روحه على كفِّه: «لو كنّا أحراراً يا ولدي، ما اختلفنا لا أنت تحمل سلاحاً ولا أنا أدعوك إلى احتراس، إنّا نحن نسعى في سبيل هذه الحريّة»(ص110).
وأخرى تقول بسخرية: إنّالصُّحُف»تطوِّقنا بالانتصارات، كالأطواق فوق رؤوس قدّيسيها، وحتى اختلط الحابل بالنابل، فلم تعُد تُفرِّق بينها وبين أطواق الزُّهور على القبور»(ص140)، وذلك في إشارة إلى هزيمة عام 1948 و1967 حين ضاعت فلسطين.
ألم «يُطبِّل الإعلام العربي ويزمِّر» آنذاك لانتصارات بَدَت فيما بعد وهميّة. وتمرّ السنون والأيام فتنجب فلسطين «فتية وفيات لم يخنعوا، تحمّلوا أطول ليل. فحملوا الشمس فوق جباههم، ما استطاعوا (أي الصهاينة) إخراجهم مِن أراضٍ إلاّ إلى زنزانة»(ص110).
لقد أوصل إميل حبيبي مِن خلال سخريته وفكاهته رسائل إلى الإنسان العربي؛ خلاصتها أنّ الحريّة لا تُقدَّم لطالبيها على طبق مِن ذهب، لا بدّمن الصُّمود! «ومثلما تسعى الطبيعة في سبيل حريَّتها، فالفجر لا يطلع الّا بعد أن يكتمل ليله». لقد اكتمل الليل وحقَّ للفجر الآن أن يطلّ!
«الخازوق» الذي يرمز إلى النتيجة المُنتَظَرَة لكلّ مَن يعتقد أنّ العمل مع الحُكم الإسرائيلي ممكن انتهى زمنه. إنه «خازوق الوهم». القعود عليه علامة عجز واستخذاء، فالمفاوضات مع الحكم الإسرائيلي العنصري اليوم هو أشبه بالقعود على هذا «الخازوق» الذي لم يُفضِ القعود عليه إلى أيّ انفراج بالرَّغم من كل هذه السنين.
أمّا سؤال بطل الرواية «لِمَ لَمْ أولد سوى عربي؟»، فهو تهكُّم وسخرية ممّن يتضامن مع الفلسطينيين بالتصريحات والشعارات فقط! إنه احتجاج على وضعٍ عربيٍّ مزرٍ. التَّضامُن بالكلمة وحدها لا يجدي.
أيها الراحل إميل حبيبي يا مَن قُلت في ختام روايتك: «حين تمضي الغيمة تشرق الشمس». أقول: ها هي «الغيمة» أوشكت أن تزول لا بالتَّصريحات والشِّعارات، بل بعزيمة «المنتفضين» مِن شباب فلسطين.إنّ تغيير الواقع قادم قادم.
لِمَ لَمْ أولد سوى عربي؟
12:00 20-8-2016
آخر تعديل :
السبت