انطباعات.. «موسكوفية» (3-3)

تاريخ النشر : الاثنين 09:30 15-8-2016
890
محمد خروب

قبل الهبوط في مطار دوموديدوفو القريب من العاصمة الروسية موسكو، تتوالى التوقعات والاسئلة الكبيرة، عمّا اذا بقيت موسكو التي في المخيلة, ما تزال على ألقِها كما كانت, قبل وصول يلتسين الى السلطة في غفلة من الزمن, ولكن في اطار مؤامرة شريرة وجهنمية لم يُصدّق كثيرون – ربما بعضهم حتى اللحظة – ان امبراطورية ذات أسنان نووية وأخرى ثقافية وحضارية وعلمية وعسكرية واقتصادية وزراعية وفرتها المساحات الشاسعة الخصبة, وزادت من أهميتها «السوق» الكبيرة التي انطوى عليها وجود جمهوريات الاتحاد السوفياتي الأربع عشرة, والتي في واقع الحال كانت «عبئاً» اقتصادياً ومالياً على «جمهورية روسيا», لكنها منحته (الاتحاد السوفياتي) موقعاً جيوسياسياً متقدماً ومؤثِراً في خريطة الصراع مع الامبريالية الأميركية (وبالتالي حلف شمال الأطلسي)، التي لم تكف عن عسكرة العلاقات الدولية وشن الحروب بالوكالة, بهدف إرباك السياسة السوفياتية وافشالها لاحقا ومواصلة تمرير المؤامرة الاخطبوطية متعددة الوسائل والآليات والخطط, وخصوصا في «تخريب» الضمائر واستمالة المُتخفّين والاكثر حماسة في التنظير والمزايدة على الجميع, ولكن كقناع لاخفاء حقدهم على الاشتراكية واعجابهم المستتر بالنموذج الأميركي الذي ابدى بورسي يلتسين اعجابه بثقافة «السوبرماركت» عند هبوطه في موسكو بعد زيارة «رسمية» لأميركا، وكان وقتذاك عضواً في المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفياتي.

ما علينا..

تضاربت التوقعات والاسئلة في ذهني, عندما حطت الطائرة التي أقلتنا من عمّان في مطار موسكو, وعمّا إذا كانت الطريق الى العاصمة، ما تزال على حال الفوضى والفلتان الأمني وتحكُّم عصابات المافيا والسرّاق في تلك الطريق الموصلة الى وسط العاصمة الروسية، لكن الواقع سرعان ما تبدد اذ ان الطريق الجميلة والواسعة والمُعتنى بها حتى ادق التفاصيل, من تشجير وشاخصات مرورية واشارات ضوئية وخطوط عاكسة ملونة تحدد المسارات وتفصل بين الداخلين الى العاصمة والخارجين منها، فضلا عن وجود رجال المرور والشرطة,ما يمنح الزائر شعورا فوريا بالامان ويُدخل الطمأنينة الى قلبه، بل ويزداد هذا الاطمئنان عندما يقترب من مباني المدينة العريقة وظهور بناياتها الجميلة بهندستها القديمة، ولكن اللافتة والنظيفة وذات التاريخ الموغل في القِدم, فضلاً عمّا يلحظه المرء من تنظيم ونظافة وانسياب في المرور وهدوء واضح لدى السائقين على نحو يندر ان يسمع الزائر في جولاته وسيره المُمتع «راجلاً» في شوارعها، اي «زامور» او تجاوزاً مقصوداً او سرعة جنونية في شوارع, تمتاز بسعتها «الاسطورية» وهذا ليس مبالغة, فضلا عن التزام دقيق ولافت بالتوقف التام عند الاماكن المخصصة لعبور المشاة الشارع الى الجهة الاخرى, اضافة بالطبع الى عدم مزاحمة الجمهور للسيارات اثناء عبورها، اذا ما كانت الاشارة الضوئية تحظر عليهم اجتياز الشارع الا بعد ظهور الضوء الأخضر للمشاة.

قد تبدو هذه التفاصيل للبعض وكأنها ضرب من الدعاية، او القول انها ليست جديدة او ذات أهمية استثنائية, فهي ممارسات راسخة في دول ومدن غربية واخرى شرقية منذ عقود، لكن الحديث هنا عن موسكو التي ولفرط الدعاية الغربية التي تسيء الى كل ما هو روسي, وتُبالِغ في اظهار السلبيات والعيوب وتصوير الاوضاع في روسيا وكأنها فوضى عميمة وارتجال وتخبط وغضب شعبي واحتقان جماهيري، تُسهِم في تشويه الصورة الجميلة التي يلحظها الزائر ويشوش عليها,ما يكسبها اهمية إضافية.

ما يلفت الانتباه ولكن يثير الحزن ويدعو للتأمل بين صورتين متناقضتين للزائر عندما يهبط درجات «مترو» موسكو الشهير والتاريخي والاقرب الى المتحف الفني بتماثيله ولوحاته ونظافته وانسيابيته, هو غياب «الكتاب» عن ايدي ركاب هذا المترو «القديم» الذي يتجاوز عمره الثمانين عاماً، والذي ينقل ستة ملايين راكب في اليوم الواحد،ما يوفر في الوقت والجهد والمال على المواطنين والحكومة, ويدعو للاعجاب والتنويه بل و»الغيرة» ايضا لدى الذين يفتقدون مثل وسيلة النقل الحضارية... هذه.

غياب «الكتاب» من ايدي ركاب المترو، والذي كان (الكتاب) يتوفر بكثافة ونوعية جيدة لديهم في العهد السوفياتي, ليحل محله الهاتف النقّال الذكي والآي باد لدى غالبية جمهور المترو، فيما من تبقى منهم يواصل التحديق في الفراغ او مراقبة الناس او الصمت المصحوب بالهموم التي تبدو بوضوح على وجوه البعض، لم يكن صدفة بل هو نتاج «طبيعي» لارتدادات رياح العولمة التي «ضربت» موسكو وباقي الأراضي الروسية، بعد ان انخرطت روسيا الاتحادية في لعبة الرأسمالية والتزمت الى حد كبير قواعدها، وغدت عضواً في منظمة التجارة العالمية، ولم تعد «الاشتراكية»والعدالة الاجتماعية»بهذه النسبة اوتلك» همّا من همومها أو أولوية على جدول اعمالها، رغم وضوح منجزات و»آثار» الاشتراكية والحرص الذي تبديه الدولة الروسية لتعميم خدماتها للجمهور الروسي, مثل مخصصات التقاعد وتأمين كبار السن وخصوصاً في التمسك بنهج الاعتناء بالشباب الروسي, عبر مواصلة اقامة معسكرات الشباب المعروفة باسم (آرتك) وهي موجودة في كل أنحاء روسيا, وتكلِّف الخزينة مبالغ طائلة, لكن عوائدها عظيمة وخصوصاً في تجذير إيمان الشباب الروسي بوطنه وتكريس ابداعاته وطاقاته لأجل أبناء شعبه,الذي يخضع الان للعقوبات الاميركية والاوروبية, والتي يمكن «الاحساس» بها من خلال ارتفاع اسعار السلع والخدمات, وإن كانت (العقوبات) قد اسهمت في شكل غير مباشر, في لجوء السلطات الى سياسة الاعتماد على الذات..

[email protected]

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }