في عالم اجتاحته تكنولوجيا المعلومات والأتصالات ، وأصبح سلطة العلم التجريبي مطبقة على كل المجالات ، يقفز إلى الأذهان حتماً .السؤال التالي : الفلسفة هل هي ضرورة ؟ هل هناك ضرورة لتدريس الفلسفة في مدارسنا وجامعاتنا اليوم ؟ لِم الفلسفة؟ وهل نحتاج بعد ، إلى فلسفة تكلمنا عن الفضائل وتحدثنا عن «المدينة الفاضلة « في عالم يسودُه منطق القوّة والمصالح ، ويسيطر عليه تيار المادّية والنفعّية ؟
وللإجابة على هذه التساؤلات يمكننا أن نقول : أنّ الفلسفة خيارٌ حتمّي لكل إنسان مفكر يطرح على نفسه الأسئلة الوجودية ، ويسعى باجتهاد للإجابة عليها ، لأنّه إذا كان العقل الذي يميّز الإنسان عن بقية الكائنات ، فالتفلسف والتفكير هما النشاط الوحيد الذي يمارسه العقل المنفتح ، ومن هنا تأتي أهمية تدريس الفلسفة والعلوم الإنسانية في مناهجنا ، لأنها تنمّي التفكير الابداعي لدى الطلاب ، وبالتالي تصبح دراسة الفلسفة ضرورة تربوية وحياتية . ومن هذا المنطلق ، يمكننا أن نبيّن أهمية الفلسفة في حياتنا في نقاط كثيرة أهمها : الأهمية الأولى والأساس للفلسفة هي أنّها تعبير فكريّ عن وجود الإنسان على أنّه كائنٌ مفكّر قبل أيّ شيء آخر ، وعليه فطرحُ الأسئلة ومحاولة الإجابة عليها هما مظهران من مظاهر تعبير الإنسان عن نفسه على أنّه كائنٌ عاقل ومفكرّ ، وهذا ما يؤكد عليه الفيلسوف أرسطو بقوله : « إن جميع الناس يميلون إلى اختيار ما يلائم طباعهم ، فالعادل يختار الحياة العادلة والشجاع حياة الشجاعة ، والبصير العاقل حياة التبصر والعقل . ومن هذا يتضح كذلك أن الإنسان الذي وهُب ملكة العقل سيختار الفلسفة لأن التفلسف هو مهمة هذه الملكة « . فالعقل هو الناظم الإيجابي للتفكير ، وبعكس ذلك يقع الفكر في الدائرة السلبية المؤدية إلى الفوضى .
أمّا الأهمية الثانية من الفلسفة هي أن يتعلّم الإنسان طرح الأسئلة ، فالتساؤل عند الإنسان حقّ طبيعي وصفة مُميزة ، بهدف الوصول إلى إجابات منطقية مُقنعة ، حول الوجود والمعرفة والقيم . وهذا ما يعبّر عنه الفيلسوف كارل ياسبيرس بقوله : « إن الأهم في المعرفة هو السؤال ويجب أن يتحول كل جواب إلى سؤال من جديد .... »
كلّ هذا يدفعنا إلى الاستنتاج بأنّ جدلية السؤال والجواب في الفلسفة تحرك العقل وتنشطه ، مما يؤدي إلى الاكتشاف والإبداع في مختلف المجالات . وهذا ما نراه اليوم من تطورات هائلة في العلوم والمعارف و تكنولوجيا المعلومات والأتصالات .
والأهمية الثالثة للفلسفة أنّها تُعلّم نسّبّية الحقيقة ، كما نسبّية امتلاك الإنسان لها ، وبالتالي ، فالفيلسوف وإن حمَل في فكره منظومة فلسفية ، لا يملك الحقيقة المطلقة ملكاً كاملاً ، لا بل إنّ لكلًّ منّا حقيقته ، وهي تعكسُ فلسفته الخاصّة وكيفية رؤيته الأمور .
وهذا يقودنا حتماً إلى احترام الآخر في رأيه وتفكيره وقناعاته ، فالآخر يملك ، جزءاً من الحقيقة ، وله الحقّ في أن يكون له رأيه الخاصّ والمختلف ، ربّما عن رأي الآخرين ، وذلك انطلاقاً من رؤيته الحقيقة كما تظهُر له . وهذا ما أكدّ عليه « الإرشاد الرسولي - شركة وشهادة « للبابا بندكتوس السادس عشر بقوله : « ليست الحقيقة ملكاً لأحد ، إنّها دائماً عطيّة تدعونا لمسيرة محاكاةٍ للحقيقة بشكل أعمق دائماً ، يمكن معرفة الحقيقة وعيشهُا فقط في الحريّة ، لهذا لا يمكن الأجبار على الحقيقة ، إنّما في لقاء المحبّة فقط يُمكن سبر أغوارِها « ( رقم 27 ) .
بعدما استعرضنا أهمية الفلسفة في حياتنا ، التي تقودنا وتنتشلنا من رتابة العيش على الهامش ، وتدعونا بالتفكير والتّساؤل إلى استشكاف الكون ومكنوناته ، حتى يكوّن كلّ منّا فلسفته الخاصة . لذا نتساءل اليوم عن أسباب توقف تدريس المناهج الفلسفية في مدارسنا وجامعاتنا منذ أربعة عقود من الزمان ؟ لماذا الخوف و هذا الموقف الرافض ؟ ومع ذلك فإنّ رفض تدريس الفلسفة هو إصرارٌ بالعيش على الهامش من دون معنىً ولا غاية . لأن الفلسفة ليست عامل خوف ، بل عامل إبداع وإصلاح في المجتمع ، لأنها تعلّم الفرد الحرّية والانطلاق صوب التفكير والتحليل والدراسة والأبداع في سائر مناحي الحياة ، بعيداً عن الخرافة والجهل ... فإذا أردنا التغيير بمختلف أشكاله في مجتمعنا ، وتطوير مناهجنا ، وحماية شبابنا من الفكر المتطرف ، فإننا نرى من المناسب إدخال مادة الفلسفة في ثقافتنا ، لا سيمّا في مؤسساتنا التعليمية .
«الفلسفة .. هل هي ضرورة أم لا»
12:00 11-8-2016
آخر تعديل :
الخميس