كتاب

بين «الوطنية» و«الجنسية»

كنت قد بينت, في كتيب لي صدر اوائل التسعينيات من القرن الماضي, فارق ما بين «الوطنية» و»التابعية» اذ الوطنية «اختيار» والتابعية «اضطرار» وهو الفارق نفسه الذي يمكن ملاحظته بين «الوطني» و»صاحب الجنسية» فالوطني مستعد لاحتمال الفقر والبلاء في سبيل أن يكون وطنه حراً قوياً, على حين تكون علاقة من يُمنح الجنسية بالوطن مرهونة بالاسباب التي مُنح الجنسية من أجلها. وفي حال كانت اسباب منح الجنسية لأحدهم ذات نفع للوطن, على نحو أو آخر - وهو بالضرورة نفع متبادل مع الممنوحة له الجنسية - وتلك هي حجّة من ينادون بمنح الجنسية للمستثمرين الراغبين في تنمية اموالهم في البلاد, فإن لنا مندوحة عن ذلك في تيسير أعمال هؤلاء من خلال تشريعات مناسبة. والأمر كله خاضع للنظر وليس حتماً مقضياً, ولكن بشرط ان نفرّق بين «الوطنية» وبين «الجنسية» وأن نستذكر آلاف الشهداء الذين ضحّوا بأرواحهم في سبيل اوطانهم وأن لا نساوي بينهم وبين من لا تتجاوز علاقتهم بهذه الاوطان دائرة الذرائعية والانتفاع.

حتى في الموازين التي روعيت في مدينة رسول الله عليه صلوات الله وسلامه – ولا سيما في عهد الخليفة الفاروق – فقد كان ثمة تفرقة بين المهاجرين الاوائل, والانصار وبين من هاجر بعد ذلك, ومن شملته «صحيفة» المدينة بعد ذلك, وبين «الطلقاء», وهي فوارق منطقية وواقعية تمنع خلط الحابل بالنابل, وتجعل الدين والاخلاق ميزاناً تقيّم به الولاءات.

و»الوطن» اليوم ودائماً معقد كل ولاء وانتماء, وعلى ثغوره المقدسة تبذل الارواح رخيصة, في تدليل اثر تدليل من ابنائه على «وطنيتهم». وصاحب الجنسية المرهونة بأسبابها في غير هذا الوارد. وما ثمة جذور تربطه بالأرض أو بالتاريخ الانساني عليها. إذ قصاراه من المسألة ما يلوح له من نفع, أو ما يلوّح هو به من منافع محتملة, ما كان لها أن تكون ذات اهمية - ولا من اية درجة - لو كان هناك استراتيجية وطنية شاملة للتنمية وتحقيق الاستقلال الاقتصادي للبلاد.

ويتعلق بهذا كله ان نتساءل عن دور رأس المال الوطني في التنمية, والتصنيع, والتصنيع الزراعي, والبحث العلمي, اذ ها هنا مربط الفرس كما يقولون.

والمسألة بعد لا يقضى فيها بحسب الرغبات الفردية, أو الحالات الخاصة, أو تقليداً للآخرين. بل هي مرتبطة بمعنى الوفاء لأعظم الآباء والأجداد والاسلاف التي غدت جزءاً حميماً من ارض الوطن, وبمعنى الالتزام برفعته وعزته اللتين تقيمهما سواعد ابنائه, صادقي الانتماء والولاء. وكل حديث في غير هذا الباب - أي التنمية الوطنية الذاتية والانتماء الفاعل واستقلال الاقتصاد - فهو مرهون بدواعيه واسبابه, وعسى ان لا يكون ذلك ملتبساً.