كتاب

المُلتقّى العربي الذي استلقى

كيف اتفق ان تتعرض مجموعة من المدائن العربية الاسلامية للتدمير وللقتل الجماعي وضروب التشريد والمجاعات في آنٍ واحد، وأي مكر جهنمي هذا الذي يؤجج سعار الفتن الجائحة في بلاد يُفترض ان يكون اهلوها أُمّة واحدة متوادة متراحمة، وان يكونوا يداً واحدة على من يتربص بهم، ومن يقاتلونهم كافة، ويبيت لاستئصالهم جملة من مواطنهم او ان يجعلهم فيها – في اقل تقدير – عبداناً مستأجرين أو اذلاء راغمين؟

أهو المكّر الكُبّار، ليل نهار، من قوى الاستعمار المتجدد في صور واشكال شتى، وتحت شعارات براقة، كالديمقراطية، وحقوق الإنسان (بما في ذلك حق الشذوذ الجنسي، والدعارة وألوان التمكين للعابثين)، والحداثة والعولمة (بما هي تَجَلٍّ لليبرالية المتوحشة) وغير ذلك كثيرٌ متكثّر مرفودٍ بتقنيات الترويج الإعلامي؟

أهو الغَبَاءُ السياسي الذي يتذاكى به مُتسنّمو السُّلْطةِ (وأغَلَبُهم مُغامرون سياسيون)، ممّن يَدّعون الألوهية، ويُسخّرون الشعوب في أهوائهم ولباناتهم؟.

أهو النفاقُ الذي يتنفّسُهُ المناخ الثقافي ويعيشه معظم المشتغلين بالفكر والإعلام، حتى لَينْدرُ ان تجد صوتاً حُرّاً او قَلَماً متأبياً على الدّهان؟

أهو هذه المُيوعةُ الأخلاقيةُ التي استغرقت الناس، فَباعَدَتْ ما بينهم وبين قيم العروبة والإسلام ومُروءاتهما، وجعلت منهم جماعات ذاهلة توزَعُ في مآرب أعدائهم، وفيما يُبيتون؟؟

إن بنا أن نَظَلّ نتساءلُ في الأسباب التي أفضت إلى هوان أُمّة العرب والمسلمين والتي جعلت منهم كمّاً مُهْملاً لا فاعلية له ولا حضور، فإننا لن نخرج في كل حال عَمّا انتهى إليه الكواكبي في «طبائع الاستبداد»، إذ الأدواء التي شخصها في كتابه هذا ما تزال هي الظروف التي تكتنفنا اليوم والتي مكّنت الغرب المستعمر والصهيونية المتقحمة منا كل هذا التمكين، وجعلتنا كأنما نحن مخاريق بأيدي لاعبين»، لا أُمّة مهابة تستشعر كرامتها وتتأبّى على الضيم وترفض الاستخذاء.

ان الروس والاميركان والفرنسيين والانجليز والصهاينة، ليتقاسمون اليوم حصصهم في المشرق العربي الاسلامي الذي تم «تنويمه» او تخديره عبر وسائل مختلفة أبرزها هذه «الفضائيات» العربيّة (!) الناعمة التي يموّلها الغباء العربي ويتولى كِبرها خُبراء محترفون يدأبون في جعل «المتلقي» العربي «مُستلقياً» في المكان لا يَبْرحُ ولا يتزحزح، حتى وان استغرق التدمير كل مدائن العرب والمسلمين.

وعلى ما قد يستتبع الظهور على هذه الحيثيات من قنوط لدى بعضهم وحبوط، الا ان ذلك لا يتعدى سطوح الاشياء، وما يتبدى لأول النظر فيها. اما في الاغوار البعيدة للواقع وفي جذوره الضاربة (حيث لا تصلُ عدسات «الكاميرات» ولا أفهام رافعي التقارير) فثمّة أنهار تتدفق وعوامل تمور. وإذا كان للباطل جولة (وإن امتد بها زمانها) فإن للحق جولات..