ربما هناك شيء من الغرابة للعنوان، وربما هناك أيضاً تساؤل محق عن الربط بين المادتين، ولكن الجواب ليس أحجية، فالدول النامية تقتل نفسها بسلاحين اثنين، السلاح والدواء سواء بالتأثير المباشر لهما أو بالآثار المترتبة على كل منها، ومع كل أسف نجد الدول النامية (وهي الأغلبية) قد رهنت مستقبلها بالاعتماد على هاتين السلعتين، حيث تشكل السلعتان المواد الأساسية المستوردة، اعتقادا منها أن النوم في حظيرة الدول الكبرى سوف يوفر الدفء والأمان والمناعة من المرض والحروب، فتلك الدول لم تستوعب دروس التاريخ ومعاني الاستعمار، والتي تتلخص بحقيقة عنوانها المصالح المشتركة ولا تعني التساوي، بل واقعها بصريح العبارة أن المصالح المشتركة هي طريق باتجاه واحد، يبدأ من الدول المصدرة ليلتهم خيرات الدول المستوردة التي تشغل نفسها بالتسلح، واستيراد المعرفة المقننة، دون محاولة المشاركة في صنع المعرفة فأضحت هذه الدول مسرحاً لتجارب الجديد الذي يولد ومعرفة آثاره وأبعاده، والغريب أن سلاحي (الدواء والسلاح) بينهما شبه عجيب، فالأول يستعمل كسلاح لقهر المرض والثاني كسلاح لقهر العدوان، كذلك فان الأول يعتبر سلعة لتجارة الموت والثاني سعلة لتجارة الحياة، وكلاهما يصنع في دول الغرب، ويجرب ويستهلك في الدول النامية، وينفق على كل منهما بلايين الدولارات في كل لحظة من حياة البشرية، تحت إدارة شركات جبارة تديرها قلوب من حديد، تزرع الفتوى التي تثير الفتنة لتزعزع الاستقرار.
تمثل ترسانات الأسلحة في الدول المصدرة محجا للدول التي تحضر التفكير والابتكار، فأصبح حكماً على دول العالم الثالث وخصوصاً منطقة الشرق الأوسط، بما تضم من نزاعات وصراعات وخيرات تحتم عليها رفع درجة الاهبة والاستعداد للحرب في كل وقت دفاعا عن وجودها واستمراريتها أولا، فمنذ فترة ليست قصيرة أعلنت الوكالة الأمريكية لمراقبة التسلح ونزع السلاح أن العالم انفق على السلاح حوالي ألفي مليون دولار وهو رقم خطير يبين مدى الخطر الفادح الذي يحيط بنا، منذ قرارات الاستعمار بالتهام فلسطين، مرورا بغزو وتفتيت العراق ثم فتيل ثورات الربيع العربي لأسباب ثبت زيفها وتلفيقها لتبرير الحرب والدمار وتسويق السلاح0
الدول المتقدمة تصنع السلاح، وتطوره، وتصدره لنا بالسعر الذي تريد، لتكون سيطرتها على اقتصادنا بالصورة التي تخدمها، حتى تعيش تلك الدول في رفاهية، وعلينا خيار واحد أن نشتريه لنتقاتل به ونحترق في اتونه، والغريب أن تلك الدول هي التي تصنع لنا ظروفنا وتتحكم في مستقبلنا حتى أننا نتباكى، نركض إليها من أجل حل مشاكلنا بشروط نقبلها مرغمين، وهي على درجة من الحكمة لصنع الظروف الخلافية التي تقنعنا بضرورة الحرب وعدم التباحث على الحلول بوسائل السلم، وإذا القينا نظرة على سماسرة السلاح فإننا نجدهم هم الأغنياء، حيث يبحثون عن مناطق العالم الملتهبة ويغرقونها بأحدث ما لديهم من وسائل تدمير البشرية السريعة، فتزداد جذوة النار اشتعالا ويزدادون هم ثراء وغنى، وبنظرة سريعة لما حولنا نجد أن نار الحرب في كل مكان، حيث أن هؤلاء السماسرة يستغلون حاجة الإنسان للاطمئنان والرغبة في صد العدوان ويسوقون لهم أن امتلاك السلاح يعطي صاحبه شعوراً خفياً بالاطمئنان ومن خلال هذا الشعور تتكدس المخازن بالسلاح على حساب وسائل تقدم وراحة البشرية، مهما اشتد العوز، ومهما خوت البطون، فيطرب هؤلاء على طلقات المدافع وانين الجرحى، وتنام عيونهم قريرة على السنة اللهب المنبعث من نيران المعارك، وتسعد قلوبهم وهم يستحمون على ضفاف انهار الدماء التي تنزف، بينما المال بين أيديهم ورائحة اللحوم البشرية المشوية في أتون الحروب اللعينة في كل بقاع العالم البعيدة عنهم، ولكنهم يستمتعون بما يشاهدون من وقع لسلاحهم على الآخرين الذين ضاق بهم الفكر، وتجمدت عقولهم في أفق ضيق قصير مظلم، ويمنع عليهم فرضا استخدام أدنى مبادئ الفكر حتى لا يتهموا بما يكفل إصدار القرارات التي ترحلهم إلى لاهاي بقرارات ظنٍ تفصّل لهم بما يكفل لجمهم وتكفيف ألسنة المدافعين عنهم.
ولا اعتقد أن ظروف شركات الدواء تختلف بالحال عن شركات السلاح، حيث يقف الطبيب حائراً هذه الأيام من كثرة العقاقير التي تزخر بها الصيدليات ليختار الدواء المناسب لمرضاه، حيث تجد شركات الدواء التي يخدمها جيشاً جراراً من مندوبي الدعاية الأذكياء، يروجون لأي دواء يلقون به بين أحضان الطبيب، حتى يشفى المريض المسكين الذي يدفع كل ما يملك مقابل حياته بعيداً عن الأوجاع والآلام، ولو تأملنا الأمر جلياً لوجدنا أمرا في بالغ العجب فالدواء الذي تلهج الألسنة باسمه وتتنافس شركات الدواء في الترويج له، وتتويجه في فترة ما ملكاً على كل الأدوية، نجده بعد حين قد سقط من فوق عرشه، وتنازل عن سلطانه لدواء آخر جديد بهتاف نفس المروجين والمالكين وهذا منطق التغيير والاستمرارية، ولأهمية الدواء ودوره المؤثر، وحاجة الإنسان الماسة له بعد انتشار وتزايد الإمراض المختلفة، فان شركات الدواء تفرض من الأسعار ما تريد، والمريض المحتاج المسكين عليه أن يدفع كل ما يملك حتى يثري هؤلاء ولا يشبعون من الثراء، والغريب أن مبرر زيادة الأسعار يسوق له بزيادة سعر البترول، ومع ذلك لم تنزل هذه الأسعار بعد نزول سعر البترول.
أجد نفسي محتاراً في سؤال يفرض نفسه باستمرار: ترى، هل نحن بحاجة إلى هذا الكم الهائل من الأدوية المتشابهة وغير المتشابهة التي تفرزها وتصنعها شركات الدواء صباح مساء؟ الإجابة سهلة جداً فأصول اللعبة تقتضي أن يكون السلوك هكذا، حيث ظهور الأدوية الجديدة بالأسواق وبالأسعار المفروضة علينا والتي تدغدغ فصول الصحة، هي الطريق الأوحد للربح السريع فصممت بمفعول ساحر يطفئ بريق ما سبقها من دواء فنجد بالتالي أن شركات الدواء تحاصر المرضى حصاراً محكماً، عندما تمنيهم الشفاء، وهي تدرك جيداً أنهم لن يضيقوا في ذلك، لا حباً لها، بل لأنهم يلهثون للشفاء والسعادة وما اثمنها، فقدر الدول المتطورة تعيش أسيرة ومسرحاً للتجارب; تجارب السلاح، وتجارب الدواء.